المغرب المنسي في الشمال والشرق: معركة الذاكرة والسيادة التي لا يجب أن تخمد
لم يعد ممكناً التعامل مع ملف سبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة من طرف إسبانيا باعتباره مجرد ملف ثانوي مؤجل إلى حين، أو موضوعاً حساساً يُخشى الاقتراب منه حتى لا يزعج التوازنات الدبلوماسية والسياسية القائمة. فالقضايا الوطنية التي تُترك طويلاً خارج دائرة الترافع والتذكير، تتحول تدريجياً داخل الوعي الدولي إلى (وقائع مستقرة)، مهما كانت جذورها الاستعمارية واضحة. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية ترابية؛ أن يتحول الاحتلال بفعل الزمن والصمت والتكرار الإعلامي والسياسي إلى شيء (عادي) في نظر العالم.
لقد عاش المغرب لعقود طويلة تحت ضغط معركة الجنوب المرتبطة بالصحراء المغربية، في مواجهة المشروع الانفصالي المدعوم من النظام الجزائري. وكان من الطبيعي أن يركز جهوده السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية على تلك المعركة المصيرية، لأن البلاد لم تكن قادرة على فتح جبهات متعددة في آن واحد. غير أن هذا التركيز، رغم وجاهته الاستراتيجية، جعل ملف الثغور الشمالية والجزر المحتلة والصحراء الشرقية، يعيش حالة من الجمود والصمت الطويل، وهو ما استغلته إسبانيا ومعها بعض المؤسسات الأوروبية لتمرير خطاب سياسي وإعلامي يوحي بأن الأمر يتعلق “بحدود أوروبية نهائية” لا بأراضٍ مغربية خاضعة للاحتلال.
وهكذا بدأ العالم يسمع أكثر الرواية الإسبانية، بينما خفت الصوت المغربي إلا في مناسبات متفرقة. وتحولت سبتة ومليلية في الخطاب الأوروبي من مدينتين محتلتين إلى (معبرين أوروبيين)، ثم إلى (حدود جنوبية للاتحاد الأوروبي)، في تجاهل كامل للبعد التاريخي والقانوني والسيادي للقضية. بل إن بعض الخطابات السياسية الأوروبية أصبحت تتحدث عن أي توتر يقع حول المدينتين باعتباره “تهديداً للسيادة الإسبانية”، لا استمراراً لواقع استعماري عمره قرون.
استعمار يحاول الاحتماء بالنسيان
إن أخطر ما يراهن عليه أي استعمار ليس القوة العسكرية فقط، بل النسيان. فحين تصمت الشعوب طويلاً عن أراضيها المحتلة، وحين تغيب تلك الأراضي من المناهج الدراسية والخرائط الرسمية والخطاب الإعلامي والثقافي، يبدأ المحتل في إعادة تشكيل الوعي الدولي على مقاس روايته الخاصة. وهذا ما حدث تدريجياً في ملف سبتة ومليلية والجزر الجعفرية والثغور الشمالية المحتلة. وكذا بالنسبة للصحراء الشرقية المحتلة من طرف الجزائر.
لقد أصبح من الطبيعي في كثير من المنابر الدولية أن يتم الحديث عن المدينتين (سبتة ومليلية)، باعتبارهما (مدينتين إسبانيتين)، دون الإشارة إلى طبيعتهما الاستعمارية، ودون التذكير بأنهما تقعان داخل المجال الجغرافي المغربي، وأنهما منفصلتان عن التراب الإسباني بمئات الكيلومترات، بينما لا يفصل بينهما وبين المغرب سوى أمتار قليلة..
والأخطر من ذلك أن الأمم المتحدة نفسها لا تصنف المدينتين ضمن المناطق الخاضعة لتصفية الاستعمار، ليس لأن الاحتلال شرعي، بل لأن المغرب لم ينجح تاريخياً في فرض هذا الملف داخل الأجندة الأممية بالشكل المطلوب. بينما نجد أن إسبانيا نفسها لم تتردد في تسجيل تحفظاتها بخصوص جبل طارق الذي تحتله بريطانيا، وظلت لعقود تدافع عن مطلبها هناك بكل الوسائل السياسية والقانونية والإعلامية.
حين يصبح المغربي غريباً داخل أرضه
من المفارقات المؤلمة أن المغاربة الذين ينتمون جغرافياً وتاريخياً إلى هذه المناطق، أصبحوا في كثير من الأحيان يُعاملون وكأنهم أجانب أمام بوابات مدنهم المحتلة. فإسبانيا لا تكتفي بفرض احتلالها على سبتة ومليلية والجزر الشمالية، بل تفرض أيضاً شروطاً وإجراءات معقدة ومهينة على المغاربة الراغبين في دخول تلك المناطق، وكأن أصحاب الأرض الأصليين تحولوا إلى غرباء فوق ترابهم.
إن بناء الأسلاك الشائكة والجدران والحواجز الأمنية حول مدينتين داخل المجال المغربي ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل رسالة سياسية ترمي إلى تكريس الحدود الاستعمارية وتحويلها إلى أمر دائم في الوعي الجماعي. ولذلك فإن الصمت الطويل عن هذه الممارسات لا يخدم سوى ترسيخ واقع الاحتلال وتطبيعه.
التصريح الإسرائيلي.. درس في فهم العلاقات الدولية
التصريحات الأخيرة الصادرة عن السفيرة الإسرائيلية لدى إسبانيا، والتي نفت فيها وجود أي نية لدى تل أبيب لدعم المغرب في ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة، يجب ألا تُقرأ فقط من زاوية الانفعال العاطفي أو خيبة الأمل السياسية، بل من زاوية فهم طبيعة العلاقات الدولية.
فإسرائيل التي اعترفت بمغربية الصحراء، اختارت التزام الحذر والحياد في ملف الثغور الشمالية، لأنها تدرك حساسية هذا الملف بالنسبة لإسبانيا، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. كما أنها تدرك أن مدريد، رغم خلافاتها أحياناً مع تل أبيب حول قضايا الشرق الأوسط، تبقى شريكاً استراتيجياً لا ترغب في خسارته بسبب نزاع تاريخي مع المغرب.
وهنا تظهر الحقيقة الكبرى التي يجب أن تستوعبها كل الدول والشعوب: لا أحد سيدافع عن قضاياك الوطنية أكثر منك. فالدول لا تتحرك بالعاطفة، بل بالمصالح والتوازنات والحسابات الاستراتيجية. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على مواقف الخارج، بل على بناء قوة ترافعية مغربية قادرة على إعادة إحياء هذا الملف داخل المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي.
الصحراء الشرقية.. الجرح المنسي
وإذا كانت سبتة ومليلية والجزر الشمالية المحتلة تعاني من ضعف الحضور داخل النقاش العمومي، فإن الصحراء الشرقية المغربية تبدو أكثر غياباً وتهميشاً داخل الوعي الجماعي، رغم أن مناطق مثل تندوف وبشار وغيرها كانت تاريخياً جزءاً من الامتداد الترابي المغربي قبل أن تعمد فرنسا الاستعمارية إلى اقتطاعها وإلحاقها بالجزائر الفرنسية.
لقد تحولت هذه القضية بدورها إلى ملف شبه منسي، رغم أن جذوره التاريخية والسياسية واضحة، ورغم أن العديد من الوثائق والخرائط والشهادات التاريخية تؤكد الامتداد المغربي لهذه المناطق. لكن مرة أخرى، فإن غياب الترافع المستمر، وتراجع حضور الملف داخل المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، جعلا الأجيال الجديدة تكبر أحياناً دون معرفة كافية بهذه الحقائق التاريخية.
الذاكرة الترابية ليست ترفاً سياسياً
إن الحفاظ على الذاكرة الترابية ليس عملاً رمزياً أو خطاباً عاطفياً، بل جزء من الأمن الاستراتيجي للدولة. فكل الأمم التي استعادت أراضيها المحتلة بدأت أولاً بحماية ذاكرتها الجماعية من النسيان والتشويه. ولهذا فإن المغرب مطالب اليوم بإعادة تثبيت هذه القضايا داخل الخرائط الرسمية المناهج التعليمية، الخطاب الإعلامي والثقافي، الإنتاج السينمائي والوثائقي، البحث الأكاديمي، والترافع الدبلوماسي الدولي.
كما أن فتح المجال أمام المجتمع المدني، والجامعات، والمثقفين، والإعلاميين، والأحزاب، والنقابات، من أجل الترافع حول هذه الملفات، أصبح ضرورة وطنية لا مجرد خيار سياسي. فالقضايا الترابية الكبرى لا تُربح فقط داخل القاعات الدبلوماسية المغلقة، بل تُربح أيضاً داخل الوعي الشعبي والإنتاج الثقافي والمعرفة التاريخية.
نحو رؤية مغربية جديدة
لقد آن الأوان لكي ينتقل المغرب من مرحلة الصمت الحذر إلى مرحلة الترافع الهادئ والمسؤول والمستمر. ليس بمنطق الحرب أو التصعيد أو خلق العداوات مع الشعوب المجاورة، بل بمنطق تثبيت الحق التاريخي والسيادي. مع التأكيد على ألا ينسى العالم أن تلك المناطق المحتل من طرف اسبانيا والجزائر هي مدن وأراض وجزر وصحاري مغربية.
ومن هنا تبدو بعض الأفكار الرمزية ذات أهمية سياسية وثقافية كبيرة، مثل الإشارة الواضحة داخل الخرائط الرسمية إلى المناطق المحتلة من طرف إسبانيا والجزائر، إدراج هذه القضايا ضمن الذاكرة الوطنية المؤسسية، التفكير في إحداث جهات رمزية مرتبطة بالأراضي المحتلة، وتعيين تمثيليات أو مسؤوليات رمزية تؤكد أن المغرب لا يتنازل عن ذاكرته الترابية.
فهذه الخطوات ليست إعلان حرب، بل تأكيد على أن الاحتلال لا يصبح شرعياً بالتقادم، وأن الخرائط التي رسمها الاستعمار بالقوة لا يمكن أن تتحول إلى حقائق مقدسة فوق التاريخ والجغرافيا.
إن معركة المغرب اليوم ليست فقط معركة حدود، بل معركة وعي وذاكرة وسيادة. فالأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل تُحمى أيضاً بالمدرسة، والخريطة، والإعلام، والثقافة، والبحث العلمي، والإيمان الجماعي بأن الاستعمار مهما طال عمره، يبقى احتلالاً لا يمنحه الزمن شرعية.
وسيأتي يوم يدرك فيه العالم أن الشعوب التي تحافظ على ذاكرتها، وتؤمن بحقها، وتدافع عنه بالصبر والتراكم والعمل الطويل النفس، لا تموت قضاياها، مهما حاولت الجغرافيا السياسية دفنها تحت ركام المصالح الدولية.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس