دلالات البندقية (المدفع) في ثلاث مسرحيات لجمعية أدوار للمسرح الحر بكلميم
من بين الرموز التي تتكرر بكثافة داخل المتن المسرحي لجمعية أدوار للمسرح الحر بكلميم تبرز البندقية أو "المدفع" بوصفها علامة دلالية تتجاوز وظيفتها الواقعية المباشرة لتتحول إلى عنصر بنائي يربط بين النصوص ويكشف عن تطور الرؤية الفكرية والجمالية للفرقة. فالبندقية لا تحضر في هذه الأعمال باعتبارها مجرد أداة مرتبطة بالصيد أو الحرب أو الدفاع عن النفس، وإنما باعتبارها رمزاً تتغير دلالاته بتغير السياقات التاريخية والاجتماعية والوجودية التي تتحرك داخلها الشخصيات.
ولعل ما يلفت الانتباه في مسرحيات شكيريدة ونصراني ف تراب البيظان والشر جر هو أن البندقية ترافق التحولات الكبرى التي يعيشها الإنسان الصحراوي نفسه. فهي في البداية ترتبط بالذاكرة الجماعية والمقاومة والتحرر، ثم تتحول إلى جزء من الهوية الثقافية للمجال الصحراوي، قبل أن تصبح في النهاية علامة على العنف والعبث وانهيار المعنى في زمن الحرب.
إننا لا نكون أمام رمز ثابت، بل أمام رمز متحرك يواكب تطور الأسئلة التي يطرحها المشروع المسرحي لفرقة أدوار؛ من سؤال العدالة والشرعية، إلى سؤال الهوية والانتماء، وصولاً إلى السؤال الوجودي المتعلق بالحياة والموت ومعنى الإنسان في عالم تحكمه القوة.
-1- البندقية في «شكيريدة»: ذاكرة المقاومة وامتحان الضمير
تظهر البندقية في شكيريدة منذ اللحظات الأولى مرتبطة بالماضي النضالي وبذاكرة المقاومة الوطنية. فهي ليست ملكية عادية يحتفظ بها البطل، بل إرث رمزي تركه الأب المقاوم الذي شارك في معارك التحرير. ولذلك حين يقول شكيريدة:
"ذا المدفع شارك به بويا مع جيش التحرير فالمعارك اللي عرفتها الصحراء."
فإنه لا يقدم وصفاً لسلاح قديم، بل يستدعي تاريخاً كاملاً من التضحيات والبطولات والقيم التي ارتبطت بالكفاح من أجل الحرية.
هنا تصبح البندقية وعاءً للذاكرة الجماعية، وحاملاً لشرعية أخلاقية تستمد معناها من الماضي. إنها رمز لأولئك الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الأرض والكرامة، لا سعياً وراء النفوذ أو المصلحة. ولهذا السبب يظل شكيريدة متشبثاً بها، لأن التخلي عنها لا يعني فقدان قطعة معدنية، بل يعني التخلي عن جزء من ذاكرة الأب وعن منظومة قيم كاملة.
غير أن النص لا يكتفي بإبراز هذا البعد التذكاري، بل يضع البندقية في قلب اختبار أخلاقي حاسم عندما يحاول ولد البوهالي توظيفها لقتل خطري. عند هذه اللحظة ينتقل الصراع من مستوى الأشخاص إلى مستوى الرموز. فالسؤال الحقيقي الذي يطرحه النص ليس: هل سيُقتل خطري أم لا؟ بل: هل يمكن لرمز المقاومة أن يتحول إلى أداة للاستبداد؟
إن ولد البوهالي يحاول أن ينتزع البندقية من سياقها التاريخي والأخلاقي ليعيد توظيفها في خدمة السلطة والنفوذ، بينما يتمسك شكيريدة بمعناها الأصلي المرتبط بالتحرير والعدالة. ولذلك تأتي النهاية ذات دلالة عميقة حين لا تنطلق الرصاصة من فوهة البندقية، بل تتساقط الأزهار وأوراق الأقحوان.
في هذه اللحظة الشعرية المكثفة تتخلى البندقية عن وظيفتها القاتلة وتستعيد حقيقتها الرمزية. إنها ترفض أن تُستعمل ضد الأبرياء، وتعلن انحيازها للحياة بدل الموت. ومن ثم تتحول من أداة للعنف إلى رمز للضمير الجمعي الذي يرفض خيانة ذاكرته النضالية.
-2 - البندقية في «نصراني ف تراب البيظان»: علامة على الهوية والسيادة
عندما ننتقل إلى نصراني ف تراب البيظان نجد أن البندقية تحتفظ بحضورها داخل المشهدية الحسانية، لكنها تكتسب معنى مختلفاً. فالسياق هنا لم يعد سياق صراع داخلي حول السلطة، بل سياق لقاء بين عالمين وثقافتين مختلفتين.
في نظر الأوروبي القادم إلى الصحراء، تبدو البندقية جزءاً من صورة نمطية عن المجتمع البيظاني. ويتكرر وصف الرجال الصحراويين باعتبارهم يحملون الخناجر والبنادق، وكأن السلاح هو السمة الأكثر حضوراً في هذا العالم المجهول.
لكن المسرحية لا تلبث أن تفكك هذه النظرة الاختزالية. فالبندقية داخل المجال الصحراوي لا تُقدَّم بوصفها أداة عدوانية، بل باعتبارها جزءاً من نمط عيش وثقافة كاملة. إنها مرتبطة بحماية القوافل، وتأمين الترحال، والدفاع عن الجماعة، وصيانة المجال.
وبذلك تخرج البندقية من دائرة العنف إلى دائرة الهوية. فهي تشبه الخيمة والدراعة والملحفة والراحلة؛ أي أنها جزء من العلامات التي تشكل خصوصية المجال الصحراوي.
ومن هنا فإن حضورها داخل النص لا ينتج الخوف بقدر ما ينتج الإحساس بالانتماء. إنها ليست أداة تهدد الآخرين بقدر ما هي علامة على سيادة الجماعة على فضائها وعلى قدرتها على حماية نفسها داخل بيئة قاسية ومفتوحة.
وفي هذا السياق تتحول البندقية إلى رمز ثقافي. فهي لا تدافع عن الأفراد فقط، بل تدافع عن نمط حياة كامل. ولذلك فإن دلالتها في هذه المسرحية تختلف جذرياً عن دلالتها في شكيريدة. هناك كانت رمزاً للذاكرة والمقاومة، أما هنا فهي رمز للهوية والاستمرارية الثقافية.
-3- البندقية في «الشر جر»: حين يصبح الإنسان أسير سلاحه
في الشر جر يحدث تحول جذري في دلالة الرمز. فالبندقية تفقد كل ما كان يحيط بها من هالة أخلاقية أو ثقافية، لتصبح جزءاً من عالم الحرب المغلق.
لم تعد مرتبطة بالمقاومة ولا بالهوية ولا بالدفاع عن المجال، بل أصبحت أداة يومية داخل آلة الموت. إنها حاضرة في كل مكان، لكنها لم تعد تمنح الأمان أو الانتماء، بل تنتج الخوف والقلق والشعور الدائم بالتهديد.
فالجنود الذين يحملون السلاح لا يشعرون بالقوة بقدر ما يشعرون بالهشاشة. والبندقية التي كان يفترض أن تحميهم تتحول إلى تذكير مستمر بقرب الموت. ومن خلال اعترافاتهم المتكررة حول القتل والمواجهات العسكرية، تتجلى البندقية بوصفها رمزاً للعنف الذي يلتهم الإنسان من الداخل.
وتبلغ هذه الدلالة ذروتها مع شخصية لمغيمظ، أستاذ الفلسفة الذي يجد نفسه محاصراً داخل عالم تحكمه البنادق. فالرجل الذي كان يبحث عن المعنى في الفكر والمعرفة يكتشف أن الحرب لا تعترف إلا بلغة السلاح. ولذلك يبدو عاجزاً عن التكيف مع هذا الواقع، وينتهي إلى الانهيار.
هنا لا تعود البندقية أداة بيد الإنسان، بل يصبح الإنسان نفسه أسيراً لها. فهي تفرض منطقها الخاص على الجميع، وتحوّل الأفراد إلى مجرد أدوات داخل دائرة لا تنتهي من الخوف والعنف والذنب.
ومن ثم تغدو البندقية رمزاً لانهيار المعنى الإنساني نفسه، وعلامة على عالم فقد قدرته على التمييز بين الدفاع عن الحياة وصناعة الموت.
-4 - من الذاكرة إلى الهوية ثم إلى العبث
عند النظر إلى المسرحيات الثلاث في مجموعها، يبدو واضحاً أن البندقية ترسم مساراً رمزياً يوازي تطور المشروع المسرحي لفرقة أدوار للمسرح الحر بكلميم.
في شكيريدة ترتبط بالذاكرة الجماعية وتستمد مشروعيتها من المقاومة والتحرير، فتغدو رمزاً للقيم الأخلاقية التي تنتصر للحياة.
وفي نصراني ف تراب البيظان تتحول إلى عنصر من عناصر الهوية الثقافية للمجال الصحراوي، وإلى علامة على السيادة والانتماء.
أما في الشر جر فإنها تفقد هذه الدلالات الإيجابية لتصبح رمزاً للحرب والعبث والخوف وانهيار الإنسان أمام منطق العنف.
وبذلك تنتقل البندقية من رمز للمقاومة إلى رمز للهوية، ثم إلى رمز للمأساة. وهو انتقال يكشف في العمق عن تطور الأسئلة التي تشغل النصوص نفسها؛ إذ تنتقل من مساءلة العدالة والسلطة، إلى مساءلة الثقافة والانتماء، ثم إلى مساءلة الوجود الإنساني في أقسى تجلياته.
خاتمة
لا تبدو البندقية في مسرحيات فرقة أدوار التي أعدها وأخرجها المسرحي عبد اللطيف الصافي مجرد تفصيل من تفاصيل المشهد الصحراوي، بل تتحول إلى مفتاح تأويلي يسمح بفهم كثير من التحولات التي تعرفها الشخصيات والأحداث والفضاءات. فهي تحمل في شكيريدة ذاكرة المقاومة ورفض الظلم، وتؤدي في نصراني ف تراب البيظان وظيفة هوياتية تعكس خصوصية المجتمع البيظاني، قبل أن تصبح في الشر جر مرآة لخراب الحرب وانكسار الإنسان.
ومن هنا يمكن اعتبار البندقية خيطاً رمزياً ناظماً للمشروع المسرحي كله، لأنها تكشف، من خلال تحولات دلالتها، عن انتقال الكاتب من التفكير في قضايا العدالة والشرعية إلى التفكير في الهوية الثقافية، ثم إلى الانشغال بالسؤال الوجودي المتعلق بمصير الإنسان ومعنى حياته في عالم يزداد عنفاً والتباساً.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس