الفنانون بإقليم كلميم بين لعنة الهامش وجفاء المنتخبين
على الرغم مما تختزنه مدينة كلميم ومنطقة وادنون عموماً من مواهب فنية وإبداعية متعددة، وما يميز إقليم كلميم من تنوع ثقافي فريد وتعدد لغوي وتراث غني يعكس عمق الهوية المحلية، فإن أحوال الفنانين تظل غامضة بين اعتراف رمزي محدود وتهميش فعلي مستمر. فبينما تُرفع شعارات عن أهمية الثقافة والفن في دفع عجلة التنمية، ويتم الاحتفاء بالتراث المحلي في الاحتفالات الرسمية، يظل كثير من المبدعين بعيدين عن دائرة الضوء في السياسات العمومية المحلية، خارج نطاق القرار والدعم والتخطيط الثقافي.
لطالما ظل الإبداع في كلميم، كغيره من المناطق النائية، مرهوناً بجهود فردية ومبادرات ذاتية. الفنان -موسيقياً كان أو شاعراً أو مسرحياً أو تشكيلياً- يواجه عقبات متعددة تتمثل في غياب البنى التحتية الثقافية المناسبة، وضآلة فرص الإنتاج والعرض والتكوين. وفي ظل هذه المعطيات، يتحول الإبداع إلى شكل من أشكال المقاومة اليومية أكثر من كونه مهنة أو رسالة تحظى برعاية مؤسسية.
واللافت أن المسؤولين المحليين والجهويين، الذين يفترض أنهم شركاء في دعم الحراك الثقافي، غالباً ما يتعاملون مع الفنانين بمنطق ظرفي ضيق. فالمبدع يُستدعى بين الفينة والأخرى للمشاركة في إحياء المناسبات الرسمية أو الفعاليات الانتخابية أو المهرجانات الموسمية، لكنه يظل غائباً عن الرؤى التنموية والبرامج الثقافية المستدامة. وكأن دوره ينحصر في تقديم الترفيه وإضفاء طابع احتفالي على الأنشطة، لا بصفته عنصراً ثقافياً فاعلاً يسهم في تشكيل الوعي الجمعي وتعزيز الهوية المحلية.
ولا يعود سبب هذا الجفاء إلى قلة الإمكانات المالية فقط، بل إلى نظرة قاصرة عن الثقافة ذاتها. فمعظم المسؤولين المنتخبين لا يزالون يعدّون القطاع الثقافي مجالاً هامشياً يمكن التخلي عنه عند تحديد الأولويات، بينما تثبت التجارب التنموية المعاصرة أن الثقافة ليست رفاهية، بل دعامة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، ومصدراً لاستحداث فرص العمل وجذب الاستثمارات وتقوية الانتماء المجتمعي.
من يتأمل تجارب عدد من المدن المغربية والعالمية يلاحظ أن الاستثمار في الثقافة والفنون أسهم في إنعاش الفضاءات الحضرية وتنشيط السياحة وإحداث ديناميكية اقتصادية جديدة. أما في كلميم، فما تزال العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والفنانين قائمة على الوهن والانقطاع، في ظل غياب تصور ثقافي واضح يجعل الإبداع جزءاً لا يتجزأ من المشروع التنموي للمنطقة.
ولا يمكن إلقاء المسؤولية كاملة على المنتخبين، فالمشهد الفني يعاني أحياناً من التفرقة وضعف التنظيم وغياب الترافع الجماعي. لكن هذا لا يعفي المؤسسات من واجبها في توفير ظروف العمل الثقافي الكريم، ووضع آليات دعم شفافة، وإشراك الفاعلين الثقافيين في بلورة السياسات والبرامج ذات الصلة.
إن إنصاف الفنانين في كلميم يمر عبر الاعتراف بدورهم كشركاء في التنمية، وتوفير مساحات للإبداع والعرض والتكوين، ودعم المشاريع الثقافية الجادة، وإدماج الثقافة في صلب العمل الجماعي والترابي.
فالفنانون ليسوا مجرد ديكور في المشهد العام، بل هم أوصياء على الذاكرة الجمعية وصناع المعنى والجمال. وأي تنمية لا تترك مجالاً للثقافة والفن تبقى ناقصة مهما بلغت قيمة مشاريعها المادية. ويبقى السؤال المطروح اليوم في كلميم: متى يتحول المنتخبون من استهلاك الصورة الثقافية إلى استثمار حقيقي في الثقافة وأبنائها؟ فالمدن لا تبنى بالإسمنت وحده، بل تُشيد أيضاً بالأغنية والقصيدة واللوحة والمسرح، وبكل ما يجعل الإنسان أكثر قدرة على الانتماء إلى المكان وصنع مستقبله.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس