السفارة المصرية بالرباط تطلق الصالون الثقافي لتعزيز الدبلوماسية الثقافية بين مصر والمغرب
فتحت سفارة مصر بالمملكة المغربية النوافذ الثقافية العربية على بعضها البعض، حتى لا تتحول الحدود الفكرية إلى جدران صامتة تعزل الشعوب عن ذاكرتها المشتركة. فوسط عالم عربي مثقل بالأزمات السياسية والصراعات الاقتصادية والانقسامات الإيديولوجية، اختارت السفارة المصرية بالرباط أن تراهن على الثقافة باعتبارها آخر المساحات القادرة على ترميم ما أفسدته الحسابات الضيقة، وذلك من خلال إطلاق “الصالون الثقافي” من بيت مصر بالعاصمة المغربية الرباط.
لم يكن الحدث مجرد لقاء بروتوكولي عابر أو نشاط ثقافي تقليدي تلتقط فيه الصور وتنتهي تفاصيله مع نهاية الأمسية، بل بدا وكأنه محاولة حقيقية لإعادة الاعتبار للدبلوماسية الثقافية باعتبارها واحدة من أهم أدوات التقارب بين الشعوب العربية. فحين تجلس النخب الفكرية والأدبية والفنية المغربية والمصرية حول طاولة واحدة، يصبح الحوار الثقافي أعمق من أي خطاب سياسي رسمي، وأكثر قدرة على بناء الثقة الإنسانية والحضارية.
السفير المصري أحمد نهاد عبد اللطيف وضع منذ البداية جوهر الرسالة الحقيقية للمبادرة، حين تحدث عن الثقافة باعتبارها إحدى أهم أدوات “القوة الناعمة”، وهي رسالة تعكس وعياً متزايداً داخل المؤسسات الدبلوماسية الحديثة بأن النفوذ لم يعد مرتبطاً فقط بالاقتصاد والسياسة، بل أيضاً بالصورة الحضارية والإبداعية للدول داخل وجدان الشعوب.
ولأن المغرب ومصر ليسا بلدين عابرين داخل التاريخ الثقافي العربي، بل يشكلان معاً خزّاناً حضارياً وإبداعياً ممتداً عبر عقود طويلة، فقد بدا الصالون الثقافي وكأنه إعادة وصل لخط ثقافي عربي قديم، كانت فيه القاهرة عاصمة للفن والفكر والسينما والمسرح، فيما ظل المغرب فضاءً للتنوع الحضاري والانفتاح وملتقى للثقافات الإفريقية والأندلسية والعربية والأمازيغية.
كما حملت الندوة الخاصة بـ"المرأة الكاتبة والمبدعة في مصر والمغرب" دلالات قوية حول التحولات التي يعيشها المشهد الأدبي العربي، والدور المتنامي للمرأة داخل فضاءات الكتابة والإبداع والفكر، في مواجهة تحديات اجتماعية وثقافية مازالت تفرض نفسها بقوة داخل المجتمعات العربية.
ولم يكن الحديث عن نجاح الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط مجرد مجاملة دبلوماسية، بل اعترافاً بحيوية الحراك الثقافي المغربي، وبقدرة الكتاب على الصمود في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي تسرق الإنسان من القراءة والتأمل والمعرفة العميقة.
كما أن الحضور المصري اللافت داخل المعرض، من خلال مشاركة عشرات دور النشر والكتاب والشعراء، يؤكد أن العلاقات المغربية المصرية لا يمكن اختزالها في الجانب الرسمي فقط، بل هي علاقات ممتدة داخل الفن والموسيقى والسينما والأدب والذاكرة الجماعية للشعبين.
وفي التفاتة وفاء ذات حمولة رمزية عميقة، اختتم اللقاء باستحضار اسم الفنان المغربي الكبير الراحل عبد الوهاب الدكالي، باعتباره واحداً من الأصوات الفنية التي نجحت لعقود في بناء جسر وجداني بين المغرب ومصر والعالم العربي، من خلال فن راقٍ تجاوز الحدود والجغرافيا واللهجات.
إن العالم العربي اليوم لا يحتاج فقط إلى اتفاقيات سياسية واقتصادية، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء مشروع ثقافي عربي مشترك، يعيد الاعتبار للكتاب والمسرح والسينما والشعر والفنون، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف على عمقها الحضاري بعيداً عن الرداءة الرقمية وثقافة التفاهة والاستهلاك السريع.
فالسياسة قد تختلف حولها الحكومات… لكن الثقافة الحقيقية تظل دائماً اللغة الوحيدة القادرة على جمع الشعوب دون تأشيرة أو حدود.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس