مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: هندسة الأمن الروحي في إفريقيا جنوب الصحراء

مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: هندسة الأمن الروحي في إفريقيا جنوب الصحراء
د - محمد بونعناع 10 مايو 2026

 في سياق إفريقي بالغ التعقيد، حيث تتقاطع الهشاشة المؤسسية مع تنامي التحديات الأمنية وتعدد المرجعيات الدينية، لم يعد الدين مجرد منظومة اعتقادية أو طقوسية، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في تشكيل الاستقرار أو تأجيج التوتر داخل المجتمعات. وفي قلب هذا التحول، يبرز مفهوم “الأمن الروحي” بوصفه مدخلًا جديدًا لفهم العلاقة بين الدين والاستقرار، يتجاوز المقاربات الأمنية التقليدية نحو معالجة جذور الاختلال في البنية الرمزية والمعرفية للمجتمع.

الأمن الروحي من الأمن المادي إلى تحصين المعنى

لا يُختزل الأمن الروحي في حماية المعتقد الفردي أو صيانة الشعائر الدينية، بل يتسع ليشمل حماية المجال الديني العام من التفكك والاختراق الإيديولوجي. إنه أمن يستهدف “المعنى” قبل “السلوك”، ويشتغل على ضبط إنتاج الخطاب الديني وتحصين المرجعية من التوظيف المتطرف.

وفي إفريقيا جنوب الصحراء، تتضاعف أهمية هذا المفهوم بفعل هشاشة البنيات الدينية، وغياب التأطير المؤسسي الموحد، وتداخل أنماط التدين التقليدي مع تيارات عابرة للحدود، بعضها يحمل خطابًا راديكاليًا يجد في الفراغ المعرفي بيئة خصبة للانتشار.

حقل ديني هش.. وتحديات معقدة

يتميز المشهد الديني في إفريقيا بتعدد مرجعياته وتداخل مستوياته، حيث تتجاور الزوايا الصوفية التقليدية مع حركات دعوية حديثة، وتيارات سلفية، وأخرى ذات توجهات متشددة. هذا التعدد، وإن كان يعكس غنى دينيًا، فإنه في غياب التأطير العلمي والمؤسساتي يتحول إلى عامل هشاشة، يسمح بإعادة تشكيل الخطاب الديني خارج ضوابطه العلمية.

وفي هذا السياق، لم تعد المقاربة الأمنية وحدها كافية لمواجهة التطرف، إذ أظهرت التجربة أن العنف لا يُهزم فقط بالقوة، بل أيضًا عبر تفكيك البنية الفكرية التي تنتجه.

النموذج المغربي.. من التأطير إلى الدبلوماسية الدينية

وسط هذا السياق المعقد، برز النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني باعتباره تجربة متميزة تقوم على ثلاثية متوازنة: العقيدة الأشعرية، المذهب المالكي، والتصوف السني، وهي منظومة متكاملة تجمع بين الانضباط العقدي والمرونة الفقهية والتربية الروحية.

وقد تم نقل هذا النموذج إلى المستوى الإفريقي عبر رؤية استراتيجية قائمة على ما يُعرف بـ”الدبلوماسية الدينية”، حيث لا يتم تصدير خطاب ديني جاهز، بل نقل تجربة مؤسساتية في التأطير والتنظيم وبناء المرجعية.

مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة.. من فكرة إلى مشروع قاري

تأسست مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2015، لتشكل نقلة نوعية في هندسة التعاون الديني بين المغرب وعمقه الإفريقي. وهي مؤسسة لا تشتغل بمنطق الوعظ التقليدي، بل بمنطق بناء منظومة معرفية وتنظيمية تهدف إلى توحيد جهود العلماء الأفارقة، وتحصين الحقل الديني من الاختراقات الإيديولوجية.

وتقوم المؤسسة على رؤية تعتبر أن استقرار المجتمعات لا يتحقق فقط عبر الأمن السياسي أو الاقتصادي، بل أيضًا عبر “أمن روحي” يضمن استقرار المرجعية الدينية ويمنع تحولها إلى ساحة صراع.

مرجعية علمية متكاملة

تعتمد المؤسسة على مرجعية ثلاثية مترابطة:

العقيدة الأشعرية: التي تمثل إطارًا عقديًا وسطياً يوازن بين العقل والنقل ويحد من الغلو.

المذهب المالكي: بما يوفره من مرونة فقهية وانسجام مع الواقع الاجتماعي الإفريقي.

التصوف السني: الذي يعزز البعد الأخلاقي والروحي للإسلام، ويكرّس قيم التسامح والسلوك القويم.

هذا التكامل لا يقتصر على الجانب النظري، بل ينعكس في برامج التكوين والتأطير التي تستهدف العلماء والأئمة والمرشدين الدينيين في مختلف الدول الإفريقية.

آليات اشتغال واسعة النطاق

تشتغل المؤسسة عبر شبكة واسعة من الفروع في عدد من الدول الإفريقية، وتشرف على برامج متعددة، من بينها:

·        تكوين العلماء والأئمة وتأهيلهم علميًا ومنهجيًا

·        تنظيم ملتقيات علمية قارية تجمع الفاعلين الدينيين

·        دعم البحث العلمي الشرعي وإنتاج المعرفة الدينية

·        تنظيم مسابقات قرآنية وحديثية على المستوى الإفريقي

·        تعزيز التواصل بين العلماء وتبادل الخبرات

هذه الآليات تجعل منها فاعلًا مركزيًا في إعادة تنظيم الحقل الديني الإفريقي على أسس علمية ومؤسساتية.

مواجهة التطرف من الداخل

أحد أبرز أدوار المؤسسة يتمثل في مواجهة التطرف لا عبر الصدام المباشر، بل عبر “تفكيك بنيته الفكرية” من الداخل، من خلال إعادة بناء المرجعية العلمية التي يعتمد عليها الخطاب الديني

فبدل الاكتفاء بالرد الأمني، تعمل المؤسسة على “تجفيف المنابع الفكرية” للتطرف، عبر تكوين علماء محليين قادرين على إنتاج خطاب ديني معتدل ومتماسك، نابع من داخل السياق الإفريقي نفسه.

تعزيز السلم والتعايش

إلى جانب البعد العلمي، تضطلع المؤسسة بدور مهم في تعزيز السلم الاجتماعي، عبر ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش بين مختلف المدارس والتيارات الدينية. وقد ساهمت برامجها في خلق فضاءات للتقارب بين العلماء، وتخفيف حدة التوترات المذهبية، وتعزيز الثقة في المرجعية الدينية المعتدلة.

نحو هندسة جديدة للأمن الروحي

تكشف تجربة مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة عن تحول عميق في فهم العلاقة بين الدين والأمن، حيث لم يعد الدين يُنظر إليه كعامل تهديد أو مصدر توتر فقط، بل كرافعة استراتيجية للاستقرار والتنمية.

ومع ذلك، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في توسيع أثر هذه التجربة، وتعزيز حضورها الميداني، وتطوير أدوات تقييم تأثيرها، بما يضمن استدامة هذا النموذج في بيئة إفريقية شديدة التنوع والتعقيد.

في المحصلة، تمثل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة نموذجًا متقدمًا في “هندسة الأمن الروحي”، يقوم على تحويل المرجعية الدينية من مجال للاختلاف والصراع إلى أداة للاستقرار والتماسك الاجتماعي. وهي بذلك لا تقدم مجرد خطاب ديني، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا يعيد تعريف العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة في إفريقيا جنوب الصحراء.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا