دنيا تنغور: العبور من أرشيف التاريخ إلى ذاكرة طنجة
يكشف الإعلان المبكر بقرب صدور رواية " كاتب طنجة" للكاتبة دُنيا تنغور عن دخول مبكر للموسم الثقافي بفرنسا، وما يهم هو علاقة المثقفين بالمغرب ومدنه التي تلهمهم باستمرار.
وقد جاءت دنيا تنغور إلى الكتابة من طريق تتجاور فيه المعرفة التاريخية والحس الأدبي، ومن مسار يجعل الوثيقة أقرب إلى أثر حي، لا إلى مادة جامدة محفوظة في رفوف الأرشيف. فهي صحافية وناقدة أدبية وباحثة في التاريخ، غير أن ما يميز تجربتها أن هذه الصفات لا تتحرك منفصلة داخل سيرتها، إذ تتداخل في طريقة نظرها إلى الماضي، وفي اهتمامها بالشخصيات التي تعبرها الأزمنة القلقة، وتجد نفسها وسط عواصف سياسية وثقافية لا تملك السيطرة عليها.
في حوار إعلامي سابق مع القناة الثانية المغربية 2M، تكشف دنيا تنغور عن علاقة خاصة بطنجة والمغرب، علاقة تبدو ثقافية ووجدانية لمدينة تمتلك قدرة نادرة على جمع الفنون واللغات والذاكرات. تنظر تنغور إلى طنجة كفضاء مفتوح، مدينة عبور وتلاقح، قادرة على استقبال الأدب والموسيقى والفكر والحوار في حركة واحدة. ومن خلال هذا التصور، لا يحضر المغرب كخلفية جغرافية للحدث الثقافي، وإنما أرض ملهمة قادرة على أن تكون مركزا للتبادل والحوار، ومكانا تنتقل فيه الثقافة من قاعاتها المغلقة إلى تجربة مشتركة بين الناس.
ويجد هذا الارتباط بطنجة صداه الأقوى في روايتها القادمة "كاتب طنجة"، المنتظرة ضمن الدخول الأدبي لسنة 2026 عن منشورات دو روشيه. فالمدينة ليست ديكورا روائيا، ولا صورة جاهزة، ولكنها ذاكرة مفتوحة ومنطقة تماس بين المنفى والحب والكتابة. تنطلق الرواية، وفق معطيات الناشر، من أكتوبر 1981، حين يتلقى الصحافي سيمون دوفيرنوي مخطوطا قادما من كارمن أرينال، زوجة الكاتب بيير لوفاسور، تستعيد فيه ذكرياتها، خصوصا منفاها العاطفي، من طنجة إلى فرنسا. منذ هذه العتبة، تبدو الرواية مشدودة إلى سؤال قديم ومتجدد: ماذا يبقى من الإنسان حين تتحول حياته إلى مخطوط؟ وماذا تفعل الكتابة حين تصير آخر مأوى لذاكرة مهددة بالتبدد؟
تغادر دنيا تنغور في هذه الرواية القصر الأوروبي الذي اشتغلت عليه في كتابها السابق، وتتجه نحو طنجة، لكن هذا الانتقال لا يبدو قطيعة مع مسارها، بقدر ما يبدو امتدادا له في شكل تخييلي، فقد راكمت تكوينا أكاديميا في التاريخ والحضارات الإسبانية، خصوصا فيما يتصل بإسبانيا العصر الذهبي وصلاتها بالمتوسط وشمال إفريقيا. واشتغلت في أطروحتها الجامعية على موضوع وهران وإسبانيا بين 1509 و1558، أي على مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ الحضور الإسباني في شمال إفريقيا خلال القرن السادس عشر، ويكشف هذا الاشتغال المبكر على وهران اهتماما بارزا بالمناطق الحدودية وبالمدن التي تحمل داخلها أكثر من لغة وأكثر من ذاكرة وأكثر من جرح. لذلك لا تبدو طنجة في روايتها الجديدة اختيارا طارئا، فهي تنتمي إلى المدار نفسه، مدينة متوسطية مفتوحة على البحر والمنفى، وعلى الحكايات التي لا تستقر في وطن واحد.
في كتابها الصادر في السنة الماضية (2025) عن دار بيرين، بعنوان "كاثرين أراغون وجان لا فول: أختان في العاصفة"، عادت دنيا تنغور إلى القرن السادس عشر لتقرأ مصير امرأتين وجدتا نفسيهما في قلب السلطة، ثم في قلب القسوة التي تنتجها السلطة حين يتحول الزواج والقرابة والوراثة والجسد إلى أدوات حكم. يتناول الكتاب شخصيتين من بنات الملكين الكاثوليكيين: كاثرين أراغون، التي ستصبح زوجة هنري الثامن وملكة إنجلترا، وجان المعروفة تاريخيا باسم "جان لا فول" التي ارتبط اسمها بالجنون والحبس وفقدان السيطرة على الذات والمملكة.
تنتقل هذه العناية بالأصوات التي حجبها التاريخ الرسمي إلى روايتها القادمة "كاتب طنجة"، من السيرة التاريخية إلى الرواية، فكارمن أرينال ليست مجرد شخصية تستعيد الماضي، إنها صوت امرأة تمنح معنى لما عاشته بين الحب والمنفى والكتابة، ومن خلالها، تصير طنجة مكانا للحكايات العالقة، يعبرها الصحافيون والكتاب والمنفيون والغرباء والعشاق، ويحمل كل واحد منهم جزءا من تاريخ أكبر منه. هنا تلتقي الحرب الإسبانية بذاكرة القرن العشرين، ويلتقي المنفى الشخصي بخرائط المتوسط، وتصير المدينة مرآة لما لا تستطيع الشخصيات قوله مباشرة.
ما يلفت في تجربة دنيا تنغور أن الكتابة عندها لا تفصل بين البحث والتخييل، كما انها لا تتعامل مع الأرشيف كخزان بارد للوقائع، ولكنها تقترب منه كما يقترب المرء وبشيء من الخوف من بيت مهجور. وبهذا المعنى، تبدو رواية «كاتب طنجة" عملا مفصليا في مسار دنيا تنغور. فمن جهة، تستند الرواية إلى خلفية معرفية واضحة في التاريخ الإسباني وشمال إفريقيا. ومن جهة أخرى، تمنح هذه الخلفية نفسا روائيا، حيث لا تعود الوقائع غاية في ذاتها، وإنما تتحول إلى مادة إنسانية وذاكرة تتحرك داخل صوت امرأة ومدينة.
تنحو تجربة دنيا تنغور في كتاباتها نحو رسم الشخصيات التي تعيش تحت ضغط التاريخ، والعناية بالنساء اللواتي ابتلعتهن الروايات الرسمية، واهتمام بالمدن المتوسطية باعتبارها خزانات للعبور والجراح واللغات المتداخلة. ومع رواية "كاتب طنجة"، تضع الكاتبة مدينتها الروائية الأولى في المكان الذي يليق بهذا المسار.. مدينة لا تكف عن إعادة كتابة حكاياتهم بصوتها الخاص.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس