البيت العربي بمدريد يحتفي بلطيفة لبصير الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب

البيت العربي بمدريد يحتفي بلطيفة لبصير الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب
عبد الله رابح 13 يونيو 2026

استضاف البيت العربي بمدريد، مؤخرا، الكاتبة المغربية لطيفة لبصير، الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2025، فرع "أدب الطفل والناشئة" عن روايتها "طيف سبيبة".

وشهد اللقاء الذي نظم في إطار فعاليات الدورة 85 من معرض مدريد للكتاب، حوارا أدبيا جمع الكاتبة لطيفة لبصير بمترجم "طيف سبيبة" للإسبانية أنطونيو مارتينيث كاسترو، والتي صدرت في مجلة "بانيبال" التي يشرف عليها مارغريت أوبانك وصموئيل شمعون.

وجاءت هذه الجلسة، التي قدمها في البداية كريم هاوزر، مدير إدارة الثقافة والعلاقات الدولية، والمقامة بالتعاون مع البيت العربي وجائزة الشيخ زايد للكتاب، احتفاء بمرور عشرين عاما على تأسيس الجائزة، لتشكل مساحة ثرية لتبادل الرؤى حول دور أدب الطفل في تعزيز الفهم المتبادل، ومد الجسور بين الثقافات، حيث أبحرت لبصير في عوالمها الإبداعية، متحدثة عن الوعي بالكتابة، وتحديات الترجمة، وصياغة الحكاية الإنسانية.

وقد استهلت لبصير مداخلتها بالإشارة إلى أن اشتغالها على القضايا النسائية يمتد عبر مسارات متعددة تشمل الأدب، وعلم الاجتماع، والبحث الأكاديمي، لاسيما أن أطروحة دكتوراه الدولة حصلت عليها في موضوع السيرة الذاتية النسائية، ناهيك عن تجربتها الصحافية الطويلة مع النساء في المغرب عبر مجلة "نساء من المغرب"، وهي التجربة التي أتاحت لها الإنصات لأدق تفاصيل المعيش اليومي للمرأة.

وأوضحت لطيفة لبصير أن كتابها "محكيات نسائية لها طعم النارنج" يضم قصصا واقعية سردتها النساء عليها بمشاعر فياضة، ثم أحالت على كتابها "لكل امرأة كتاب" الذي ينطلق من فكرة أن لكل امرأة حكاية تستحق أن تروى.

ورغم ارتباط اسم الكاتبة بالدفاع عن قضايا النساء، إلا أنها حرصت على توضيح نقطة جوهرية مؤداها أن ليس كل شخصياتها نسائية، فقد كتبت قصصا مسرودة بضمير المذكر، كما أن روايتها القادمة سيكون السارد فيها مذكرا.

وفي معرض إجابتها عن ثنائية الكتابة بوعي أو بدون وعي، بينت لبصير أن الفعل الإبداعي يبدأ واعيا، لكنه سرعان ما ينقاد إلى اللاوعي عند اختيار الشخصيات التي يميل إليها الكاتب انطلاقا من دوافع نفسية دفينة.

وضربت الكاتبة مثلا بروايتها الأخيرة "طيف سبيبة"، موضحة أنها عمل يتناول باختصار طفلا يعاني من التوحد، حيث حركتها نوازع إنسانية كبرى تجاه هذا الموضوع بالذات الذي بات مستشريا وله تأثيرات بالغة على العالم بأسره، كونه موضوعا عالميا وجريئا يستعرض المتاعب النفسية للأسرة، وبالمناسبة حظي باهتمام واسع عالميا عبر السير الغيرية والكتابات التخييلية.

وكشفت ضيفة البيت العربي بمدريد، عن سر ولادة قصة "شبح فرويد"، مؤكدة أنها كتبتها بعد ربع قرن من التقاط تفصيل واقعي في مأتم، حيث رأت رجلا غريب الأطوار يرتدي حذاء عاليا، ويحمل عصا من القرون الوسطى، وله لحية تشبه لحية ميغيل دي ثيربانتس، وظلت تلك التفاصيل عالقة في ذاكرتها لأكثر من ربع قرن، لتبنى عليها قصة تستكشف الوشائج غير الطبيعية بين الأخ وأخته، ومن هنا استحضرت فرويد في النص.

وتوقفت لبصير عند البنية الدلالية لأسماء شخوص روايتها "طيف سبيبة"، موجهة الأنظار إلى الرمزية العميقة التي اختيرت بها في النص الأصلي، فاسم "هبة" يعني هبة من الله، و"راجي" هو الطفل الذي يرجو هذه الهبة، و"سبيبة" ترمز إلى كونها السبب في العلاج، بينما تحمل المرشدة الاجتماعية اسم "الأمل" دلالة على الأمل في الحياة والشفاء، وتأتي الأم باسم "راضية" بمعناها الرمزي الذي يعكس رضاها عن كل شيء.

وأشارت الكاتبة إلى الالتباس الذي يواجه الأدب عند نقله إلى لغات أخرى، حيث تحولت هذه الأسماء في النسخة الإسبانية إلى مجرد أسماء علم خلت من حمولتها الرمزية التي وضعت باختيار واعٍ، تماما كما فعل عبد الرحمن منيف في خماسيته "مدن الملح" حيث لكل اسم دلالة، مؤكدة أن فقدان بعض المعاني في الترجمة لا يعيبها أبدا، فهي في النهاية الجسر الثقافي الذي يتيح لنا التواصل مع أناس لا يتحدثون لغتنا.

وفي ختام مداخلتها، تطرقت الكاتبة إلى تحدي التقنيات السردية، معلنة انحيازها لضمير المتكلم النسائي بحكم معايشتها لتجارب نسائية دقيقة كالولادة، وهي مشاعر مهما بلغت قدرة الرجل التخييلية لن ينقلها بالتفاصيل الدقيقة التي تنقلها المرأة، تماما كما لا يمكن للمرأة أن تنقل بدقة مشاعر الرجال تجاه حالاتهم الخاصة، فلكل جنس خصوصيته.

وأعربت لبصير بصدق إبداعي عن حيرتها المستمرة تجاه سؤال "لماذا أكتب بضمير المتكلم؟"، كاشفة عن محاولاتها المتكررة للكتابة بضمير الغائب، والتي كانت تبوء بالفشل لأنها تشعر بأنه يبعدها عن الشخصية ويجعلها غريبة عنها، مؤكدة حبها للحديث من خلال شخصياتها والتماهي معها حتى وإن كانت رجلا، وإن ظلت الشخصيات النسائية هي الأقرب إلى قلبها.

تفاعل العديد من الحضور مع مداخلة لطيفة لبصير بالكثير من الأسئلة حول اختيار هبة كراوية للرواية، أو حول التطرق لهذه القضايا الإنسانية، وهل هناك علاقة بين العرب والغرب في الموضوع، كما تساءلوا عن كيفية نقل موضوع له بنيته العلمية إلى عالم تخييلي، وهل تتشابه الأسر في التعاطي مع موضوع التوحد على المستوى العالمي، إلى غيرها من التساؤلات.

وقد توج اللقاء بكلمات شكر وجهتها الكاتبة للبيت العربي على هذه الدعوة التي تعتبرها جسرا متينا بين الثقافتين الإسبانية والمغربية، كما أعربت عن امتنانها لجائزة الشيخ زايد للكتاب على التنسيق والجهود المبذولة، وللمترجم الذي أتاحت ترجمته للرواية فرصة هذا اللقاء الثقافي المثمر.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا