عازف الناي

عازف الناي
للكاتب الاديب محمد كويندي 09 مارس 2026

كنا مجموعة من الشعراء نتسامر في مقهى ( ريلكه)، وكان الحديث يدور حول قصيدة (أنصت إلى الناي) لجلال الدين الرومي، وتوقفنا طويلا عند هذه المقاطع الموجزة: فإن لم تقطع لن تبلغ، وإن لَم تجرح لن تشدو، وإن لم تدخل في حقائب العازفين لن ترقى المسامع.

من وحي هذه القصيدة عن الناي تذكر أحد الأصدقاء الحكاية التالية، التي أقسم على أنها حقيقية، وأنها حدثت ذات رمضان في حومة سكناه.

بدأ صديقنا حكايته بطريقة مشوقة قائلا:

قبل أذان صلاة المغرب، حلّ رجل غريب الأطوار، بحينا، وفضل كمَكانٍ له، حجراً ناتئاً عند زاوية الدرب.

كان هذا الرجل الغريب، يرتدي جلبابين: واحد بيج من كتان "التركال"، والثاني أسود اللون من شعر الماعز، يلف رأسه بعِمامةٍ صفراء كبيرة الحجم.

مَن تسعفه ذاكرته من أهل الحي، لابد له أن يتذكر وجه هذا الغريب الذي يأتي كلما أهل شهر رمضان الفضيل، وهناك من النبهاء من سكان الدرب، من يرجع غربة هذا الرجل، إلى غربة قصبة نايه المقطوعة من منبتها الأصلي غابة القصب البعيدة..  لتتغرب بدورها عن أصولها، ويبقى حالها كحال من قطعها وتملكها لنفسه ناياً.

ذات غروب بوقت قريب جداً من آذان المغرب، خفَتْ الحركة، وانقطعتْ الرِّجل، وبدأ الدرب كأنه غارق في السكون، حتى تكاد تسمع في تلك الأثناء طنين ذبابة.

إلا أن صوت الناي الحزين، الرقيق، قد نفذ إلى طبقة الصمت، وكسر حاجز السكون المطبق على الحومة.

لو سمعتم يا أصدقائي، ذاك اللحن الرقيق، لظننتموه أنينا لمريض يتضوع ألماً في عز الليل.

هكذا يا جلسائي، أراد ذاك الرجل الغريب أن يشعرنا بوجوده وبتواجده بيننا، بعد اختياره الدقيق لتلك الأوقات التي تكون فيه الأرواح أقرب إلى الله في تعبدها، وإفطارها.

 فجأة ظهرت أشكال وأنواع من الوجوه تطل من النوافذ، لاستجلاء مصدر الصوت الحزين.. في البدء لمحوا وجها صبوحا، لفتاة في ربيعها العاشر، تحمل بين يديها طبقاً مليئاً بطعام الافطار، متجهة به صوب عازف الناي..

وعلَى حِين غِرّة يا أصدقائي الأعزاء، رفعت الفتاة القصبه الجوفاء، بدافع من فضولها، وأخذت تتأملها بإعجاب، تلمست بأصابعها ملوسة ظاهر القصبة الموشاة بألوان ثلاثة متداخلة، بني، وأسود، وأصفر، ألوان واضحة من إبداع النار وقت تعرض جلد القصبة للنيران الملتهبة حتى تلوّنه بألسنتها الحارقة! 

وضعتْ الطفلة ثمرات أناملها فوق ثقوب الضبط، كما وضعت إبهامها تحت لتسد به الثقب السفلي، ثم قوّست شفتيها، ونفخت في فتحة الناي بفمها نفخات متتالية بأنفاس قوية، لكن، دون جدوى.

ممّا دفع بالفتاة إلى إعادة طرح سؤالها المحير على عازف الناي باستغراب:

-هلْ أنتَ ساحر ياعمي؟

وضع الرجلُ آنية الحريرة جانباً ثم، أجابها بالنفي:

-لا يا ابنتي.

ولم تصدق الطفلة نفسها، وأخذت تقلب القصبة أمام عينيها متعجبة، ولا تكاد تصدق بتاتاً، كيف تصدح قصبة جوفاء بكل هاته الأنغام الحزينة والمؤثرة جدا.

 أعادت الفتاة مرة أخرى سؤالها على العازف متعجبة:

 - وكيف لك أنتَ أن تجعلها تصفر بتلك الأنغام الحزينة؟

طلب منها الرجل، أن تمده بالناي، وحين تسلمهُ منها، أخبرها قائلا، وهو يرفع القصبة عالياً في وجهها:

- هذا الناي يابُنيتي ، يتألم من قطعَهُ عن منبته ، لعله يعود ليلتحم بروح أصله.

أجابتهُ الطفلة مستغربة، ومتعجبة:

-يتألم؟

 وأضافت

- كيف لقصبة بأن تتألم؟

-ألامها يا صغيرتي، هو لحنها الشجي.

-ولماذا لم تصفر إليّ أنا؟

ضحك الغريب، حتى برز من فمه ناب أسود نخره السوس، وطلب منها الجلوس إلى جانبه ومسد على خصلات شعرها بيده، وهو يحدثها بصوت خفيض:

-أنت يا صغيرتي، حياتك مازالت صفحة بيضاء، لم يخدشها لا ألام ولا الأوجاع. ثم قوّس شفتاه الغليظتان، ونفخ في جوف الناي، حتى صدح بأنغام حزينة، وكأنما كان بفعله ذاك، ينادي على بقية أطفال الحومة الذين هرعوا متسابقين إليه، ولما تحلقوا حوله، في حلقة دائرية كان الفضاء مفعما بأنغام الناي الساحرة.. أنغام توقظ الأحاسيس الروحية، والجسدية عند الناس..

لو أدركتم يا أصدقائي الأعزاء، ما حدث لي في تلك الأثناء لتعجبتم لذلك أشد العجب!

أحسستُ وقتها كأنني شجرة اقتلعوها من تربتها وغرسوها في تربة حقل آخر بجوارها.

 لامستْ أصابعٌ كتفي من الخلف، كانت لزوجتي التي أبعدتني عن النافذة، وأخذتْ بيدي إلى الصالون، لتريني نوفل ثمرة زواجنا، الذي خطى أولى خطواته، دون ان سند أو يعتمد على أحد، أو حتى الاستعانة بحواشي الأسرة، أو الحيطان!

كان يخطو خطواته الأولى الشبيهة في حركات بطئها بحركات رواد الفضاء، وهو يلثغ فرحا ببعض الحروف.. داه.. داه.. داه.. وحين تعثر سقط أرضا، وارتفع صراخه عاليا.. هربتْ به الأم إلى ناحية النافذة المشرعة، وبدأت تهدهده وترجوه الانتباه والسماع إلى صوت (لولو) كانت أنغام الناي حزينة، ورقيقة، كبكاء جنين انقطع عنه حبل السّرة.. سكتَ الطفل، وسكتَ الناي وسكت أنا بدوري.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا