عبد الفتاح كيليطو.. حارس الدهشة، يقرأ العالم بعين الكتاب ويرقم الكتاب بعين العالم
لا أحد يعرف حقا من أين أتى عبد الفتاح كيليطو.. ربما خرج من كتاب مفقود للجاحظ، أو من حاشية صغيرة بخط ناسخ مجهول في شوارع بغداد أو أسواق قرطبة، أو من نسخة فريدة من مخطوط لدون كيخوتي، أو من صلب حكاية قديمة خرجت للتو من كتاب ألف ليلة وليلة، أو من ترائب جملة عابرة قالها كاتبٌ مات ولم يدرك أنه خلّف وراءه سلالة كاملة من الأسئلة. إنه ابن الحريري، لكنه حفيد بورخيس. ابن المعري، لكنه أخٌ سرّي لرولان بارث، ابن التراث وابن الحداثة، لكنه لا يقيم بالكامل في أي منهما.
كيليطو هو ذلك الطالب الذي ظلّ يستمع إلى الأدب الفرنسي حتى أصبح جزءًا من طبقات روحه، وذلك الأستاذ الذي سحرته الحكايات العربية القديمة وجذبته متاهات التيه فيها. هذه المراوحة بين الأزمنة ليست ازدواجية، إنها طريقته الخاصة في أن يكون حرا. فكل زمن يمنحنه ثقبا صغيرا يطلّ منه على ما قبله وما بعده.
ما كان عبد الفتاح كيليطو مؤرخا للأدب، ولا ناقدا، ولا روائيا ولا منظّرا ولا مجرد قارئ كبير، كل هذه تسميات صغيرة لا تليق به. إنه كائن لا اسم له: قارئ يرى في النص ما لا يراه غيره، وكاتب يجعل من القراءة فنا مستقلاً ومفكر يقيم في منطقة بين المعرفة والدهشة. أحسه مثل ظلّ يقف خلف الأدب العربي منذ نصف قرن، لا يرفع صوته، لا ينظّر، لا يصرخ، لا يدّعي الامتلاك، ومع ذلك لا يمرّ قارئ جاد من كتبه دون أن يتبلبل شيء فيه (من بلبلة الألسن).
لا يدخل إلى "ألف ليلة وليلة" كما ندخل نحن، لا يقف على العتبة خجولا، يتسلّل إلى غرفة الحكاية من شعب خفية، يلتقي شهريار قبل أن يقتل وشهرزاد قبل أن تروي، ويتركهما يتحادثان في صمت ثم يعود ليكتب ما لم يُقَل. ولا يقرأ الجاحظ كما نقرأه عشرات المرات في المدارس، إنه يبحث عن الجاحظ الذي يتلعثم، الذي يعرف أن "البيان والتبيين" كتاب لا نهاية له، لأن البيان نفسه لا يكتمل. إنه الكاتب الذي يكتب كما لو كان يسير على حافة ضوء، ويقرأ كما لو كان ينصت إلى السر الأخير للكتب، وإذا شئنا الدقة كيليطو لا يكتب أبدا، إذ الكتابة هي التي تنكتب من خلاله.
لكيليطو علاقة غريبة بالنصوص، فهو لا يفسّرها على عجل، يقف أمامها بتواضع النساك وبصبر العشاق، ينتظر حتى أن تتبرعم أمام عينيه، كأنه يفترض أن كل كتاب يملك سرّا يحتفظ به منذ قرون، ولا يحتاج إلا إلى قارئ يعرف كيف ينصت إلى الفراغ بين السطور. لا أحد ينازع في أن هذا الوريث الأخير للدهشة، يتحوّل الحديث البسيط في كتاباته عن قارئٍ نائم أو كلمةٍ مهملة في زاوية مخطوط أو مثال منسي في نص تاريخي، إلى استعارة كونية كأن كل هامش عنده مركز، وكل تفصيل نافذة وكل نصّ متاهة تُقرأ ببطء الحكيم وخفّة لاعب السيرك.
كيليطو.. ذلك "اللا-موقع" بين الأزمنة
أتعبني أمر وضعه في سياق ما، كأن عبد الفتاح كيليطو يعيش في الأزمنة القديمة بقدر ما يعيش في الزمن الحديث. فهو ابن التراث الذي يُعيد اكتشافه كأنه يُكتشف اليوم لأول مرة، وابن الحداثة التي يقرأها بعيون مَن أعادوا تشكيل اللغة قبل ألف عام، وابن المستقبل الذي سينظر إلى الأدب باعتباره تجربة داخلية لا مؤسسة ثقافية.
لا يقيم كيليطو في الأزمنة الممتدة، إنه ابن البرهة. يقيم دوما في تلك اللحظة التي تنفتح فيها اللغة وتكشف ما تخفيه. بالنسبة إليه، الأدب كائن غريب حامل أسرار لا جثة للتشريح على طاولة العمليات، لأنه عاشق يتصيد الفرجات، يتسلل من الشقوق، من جملة هنا، من عبارة مهملة هناك في نص هامشي، من كلمة في نص مهمل بعيد عن الأدب واللغة... لقد استوعب حكمة بورخيس: من نبحث عنه بعيدا يوجد قريبا، بهذا نظر من شرفة ابن رشد، ولم يتعامل مع النصوص كبنية لغوية فقط - وإن سحره الشكلانيون واللسانيون السحرة- بل تعامل مع النصوص كجسد له نبض، كروح لها خفقان وكصوت لا يسمعه إلا مَن يعرف أن القراءة فعل ذهني تحاول فيه الكلمات أن تستيقظ من سباتها لتبوح له وحده بأحلامها وتعود لنومها مطمئنة.
عندما يقرأ كيليطو، لا يتقدم نحو النص.. لا إنه صاحب أنفة ينتظر النص أن يتقدم نحوه. كأن العلاقة بينهما علاقة تحرُّش روحي متبادل. في كل كتاب، يُحول كيليطو هامشا ليصبح مركز الانتباه.. لقد اختار أن يمشي ضدّ الفكرة الأكاديمية التي تصنع من الأدب غرفة مغلقة. وأعلن التخلي عن الأدب بغية تملك أبهى لناصيته، عنده، الأدب نافذة. وأنت لا ترى النافذة بقدر ما ترى ما وراءها. إنه الكاتب الذي يستطيع أن يجعل من جملة صغيرة كونا كبيرا، يقتات على التفاصيل التي يظنّها الجميع فقيرة ثم يحييها كأنها نصوص عائدة من منفاها.
جل الكتّاب يبحثون عمّا يقال، إلا كيليطو، إنه يبحث عمّا لا يُقال. يصغي إلى المناطق المظلمة في الكتب: إلى الفراغ بين الجمل، إلى الكلمة التي لم يكتبها الشاعر، إلى السهو الذي نجا من اقتناص النقاد والشاعريين، كأن مهمته هي أن يضع أصبعه على تلك الرجفة الدقيقة التي تعبر النص حين يتردد الكاتب قبل أن يكتب كلمة ما. فهو لا يحتاج إلى بناء طويل ولا إلى جمل صاخبة. يكفيه سطر واحد يفتحه كما يفتح عالمٌ مختبرا للضوء.
يعتبر عبد الفتاح كيليطو من الكتاب النادرين، لم يبحث يوما عن أشياع وأتباع، لا يريد من قارئه أن يتفق معه ولا أن يؤمن بمقولاته. ببساطة لأنه لا يعظ ولا يقدم "خلاصات"، ولا ينتمي إلى مدرسة. إنه يضع أمامنا نصا، ثم يبتسم ابتسامة يعرف بها القارئ الحقيقي أنه بصدد الدخول في لعبة ذكية تحتاج للكشف وللضياع حيث تستوي رهانات الربح والخسارة، يدخل العين في إبرة، ويبحث في لسان آدم الأول ويتكلم جميع اللغات بالعربية ويستدعي حسن البصري وشهرزاد إلى حكاية باذخة ويعلن "إن هذه الحكاية حكايتي".. لقد علّمنا كيف نقرأ النص من آخره ونقلب المقامة رأسا على عقب أو نقرأ حكايات ألف ليلة وليلة من نهايتها كمن يمشي في الاتجاه المعاكس للقراءة المطمئنة لقناعاتها المنهجية.. في كل مقطع يكتبه، هناك نوع من الهدوء يشبه وقفة ناسك، ونوع من الحذر يشبه مشية قطّ، ونوع من الذكاء يشبه ضوءا خفيفا يندلق على صفحة كتاب.
في عالم صاخب، في زمن يفضّل السرعة، يبقى كيليطو وفياً لطقس بطيء هو القراءة. فهو القارئ الذي جعل من البطء معرفة، ومن التردد حكمة، ومن الشكّ طريقةً لإعادة التفكير في الأسئلة التي نظنها "محسومة". إنه لا يكتب عن "الأسلوب" ولا عن "التناصّ" كما يردد الأكاديميون نظريات كوهن وجيرار جنيت وبارث وكريستيفا وتودوروف وباقي أساطين النقد الحديث، بل يمشي في غابات الكتب كما يمشي شاعر في غابة حقيقية: يلمس الأشجار، يحدّق في الطيور ثم يعود ليحدّثك عن نظرة الصيّاد وعن أثر السهم في ريش عصفور، ويبدو هذا التناقض هو مصدر فرادته. أن يعيش في الرباط، لكن مكتبات بغداد وفاس والقاهرة وقرطبة وتلمسان هي بيته الفعلي. أن يكتب بالعربية والفرنسية، لكن لغته الحقيقية هي منطقة بين الاثنين، منطقة لا يملك مفاتيحها إلا من يعرف أن القراءة نوعٌ من الهجرة.
فيلسوف بلا عقيدة وحكيم بلا وصايا
ليس في كتابات كيليطو مذهب يمكن اختصاره، ولا منهجا أحاديا يريدك أن تسير على هدي خطاه. هو أقرب إلى حكيم شرقي يقدّم لك قصصا صغيرة ثم يتركك وحيدًا في مواجهة الأسئلة. يريد منك شيئًا واحدا فقط: أن تُعيد النظر لأن الحقيقة تتحرك مثل ظلّ شجرة عند العصر، تتبدل ببطء، لكن يكفي أن تغيّر موقعك سنتيمترات فقط لتكتشف أنّ الظل لم يكن كما تخيلته. هكذا يأخذك كيليطو إلى متون التراث، ثم يعيدك إلى ذاتك، فتدرك فجأة أن السؤال "من يروي؟" أكبر من السؤال "ماذا يُروى؟"
هناك كتّاب نقرأهم لنستمتع، وكتّاب نقرأهم لنتعلم، وكتّاب نقرأهم ونتغير. ينتمي كيليطو إلى الأصناف الثلاثة بلا منازع لأنه يربك الأسئلة ذاتها ويعيد تعريف الأدب. لهذا يتحدث بصوت منخفض، لكنه يترك أثرا رجراجا في رأس القارئ، صوتًا يرافقه طويلًا بعد إغلاق الكتاب.
يشبه كيليطو في حضوره رجلًا يمشي على أطراف أصابعه في مكتبة فارغة. إنه راهب اللغة وحارس دهشتها، أحس كما لو أنه حالة وجودية تتحرك بين المكتبات، وتترك وراءها أثرا يشبه الذهول. فاللغة عنده مسافة بين القارئ ونفسه، جملةٌ قصيرة تفتح فجوة في الروح، كلمةٌ عادية تستحضر مئات السنين من الأدب العربي. سؤالٌ بسيط يقود إلى أطراف الوجود. ولغته تشبه منطق الأحلام غامضة وناعمة تحمل طبقات لا تُحصى من التأويل. ويتحول كيليطو إلى عالِم آثار يُنقّب في طبقات الكلمات ليصغي إلى الأصوات التي تسكن داخلها. في "الأدب والغرابة" حاول أن يسمي "الأدب"، تجرأ على طرح سؤال الماهية، فوجدنا أنفسنا أنه لا يحدد أو يعرف الأدب وإنما يأخذ بيدنا مثل عمي لنراه من جديد.
في قلب تجربة كيليطو مفارقة جميلة: إنه يكتب لأنه يقرأ، ويقرأ لأنه يكتب. لا شيء يفصل بين الضفتين لديه، لأنه يؤمن بأن الكتابة تبدأ من القراءة لا من الذهن، من تلك اللحظة الصغيرة التي يتردد فيها القارئ أمام عبارة، فيشعر أن شيئًا ما يريد أن يُقال من جديد. لذلك فالقارئ في عالم كيليطو مشارك في خلق النصوص. وهذا ما يجعل كتاباته تبدو وكأنها دعوة مفتوحة للجلوس إلى جواره، كأنّه يقول لك: تعال.. لنفكّر معا. لعلّ النص يكشف لنا شيئًا كان يخفيه عن الجميع. وهذا سبب البعد التعليمي البيداغوجي في العديد من كتبه.
عبد الفتاح كيليطو لم يختر أن يكون نجما في سماء النقد، ولا خطيبا في منابر الثقافة، ولا اسما يُتداول في صخب المواسم الأدبية. اختار شيئا أشد خطورة: أن يكون يقظةً دائمة داخل اللغة، أن يكون قارئًا كبيرا يجعل من القراءة مدرسة فلسفية، ويمنح الكلمات حياة جديدة، وأن يحوّل الأدب إلى طريق يفضي إلى معرفة الذات. ليس كيليطو معلما ولو أنه مارس التدريس لسنين طويلة، إنّه رفيق سفر، يمشي معنا في الممرّات المعتمة للكتب، ويجعلنا نصغي إلى ما يتوارى خلف البلاغة، ونشكّ في أكثر الجمل اطمئنانا. يشير بيده إلى شيء صغير ثم يتركنا نتبِع أثر الضوء.
إنه الحارس الأخير للدهشة في زمن استُهلكت فيه المفاهيم وتخشّبت فيه الكلمات. فإذا كان الأدب قد تحوّل عند كثيرين إلى صناعة أو مؤسسة أو أرشيف، فإنه عنده ما يزال مغامرة وجودية، وهنا تكمن خطورته وجلاله معا: أنه لا يضيف كتابا إلى مكتبتك، بل يضيف شقّا في جدار وعيك. ومن ذلك الشقّ يدخل الهواء.
·
ل







تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس