زلزال سياسي بمديونة والموت يخطف اسما وازنا من قلب الاستحقاق الانتخابي

زلزال سياسي بمديونة والموت يخطف اسما وازنا من قلب الاستحقاق الانتخابي
محمد صالح اكليم 19 أغسطس 2026

في خضم حراك سياسي كانت مديونة تستعد معه لمرحلة انتخابية جديدة، باغت الموت هاشم أمين الشفيق، النائب البرلماني عن دائرة مديونة بلون حزب الاستقلال، والوجه السياسي المرتبط بجماعة المجاطية أولاد الطالب، ليغيب عن المشهد في سن مبكرة، ويترك وراءه فراغاً سياسياً وازناً في دائرة انتخابية تعيش على إيقاع الاستعدادات للاستحقاق التشريعي المقبل.

رحيل الشفيق، في هذا التوقيت بالذات، لا يختزل في فقدان شخصية منتخبة، بل يفتح صفحة جديدة في المشهد السياسي المحلي؛ فالرجل كان حاضراً في أكثر من مستوى مؤسساتي، من الجماعة إلى الجهة ثم البرلمان، وكان اسمه جزءاً من معادلة انتخابية راكم فيها حضوراً لافتاً. فهل يؤدي غيابه إلى إعادة رسم موازين القوى بمديونة؟ وهل يجد حزب الاستقلال نفسه أمام ضرورة إعادة ترتيب أوراقه وهندسة حضوره الانتخابي من جديد؟

تؤكد الصفحة الرسمية لمجلس النواب أن هاشم أمين الشفيق كان نائباً عن الدائرة الانتخابية مديونة، ضمن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، خلال الولاية التشريعية 2021-2026، كما توثق عضويته في لجنة القطاعات الاجتماعية. ويكشف أرشيف المؤسسة التشريعية كذلك عن عدد من الأسئلة التي حملت اسمه حول قضايا ترتبط مباشرة بالإقليم، من إعادة إسكان قاطني دور الصفيح، وإحداث جامعة بمديونة، وتأهيل جماعة الهراويين، ومطرح النفايات، إلى المرافق العمومية والتجهيزات الأساسية.

ولم يكن المسار الانتخابي للشفيق خالياً من المنعطفات؛ فقد ألغت المحكمة الدستورية انتخابه عن دائرة مديونة عقب اقتراع 8 شتنبر 2021، وأمرت بتنظيم انتخابات جزئية للمقعد الذي كان يشغله. وبعد ذلك، عاد حزب الاستقلال ليستعيد المقعد في الانتخابات الجزئية التي جرت في يوليوز 2022، بانتخاب هاشم أمين الشفيق من جديد نائباً عن مديونة.

يكشف هذا المسار أن الرجل لم يكن مجرد اسم في لائحة انتخابية، بل فاعلاً خاض تجربة انتخابية اتسمت بالتنافسية، وعاد إلى البرلمان بعد محطة قضائية وانتخابية دقيقة. لذلك فإن غيابه اليوم يطرح سؤالاً سياسياً طبيعياً حول مستقبل الرصيد الذي راكمه: هل سيظل مرتبطاً بحزب الاستقلال وتنظيمه، أم أن جزءاً منه كان قائماً على الحضور الشخصي للشفيق وشبكة علاقاته داخل المجاطية ومديونة؟

ومن هذه الزاوية، فإن تداعيات الرحيل لن تتوقف عند البيت الاستقلالي؛ فالمنافسون بدورهم سيعيدون قراءة الخريطة الانتخابية، وقد تتغير حسابات الترشيح والاستقطاب والتحالفات. غياب اسم كان حاضراً في المشهد الجماعي والجهوي والبرلماني يفتح المجال أمام أسماء أخرى للصعود، ويجعل التنافس على القواعد الانتخابية أكثر تعقيداً، خصوصاً في دائرة تتقاطع فيها الاعتبارات الحزبية مع الحضور الشخصي للمرشحين.

أما داخل حزب الاستقلال، فإن التحدي يبدو أكثر وضوحاً: من سيحمل المشعل في المرحلة المقبلة؟ وهل يستطيع التنظيم الحفاظ على موقعه الانتخابي الذي ارتبط، خلال السنوات الأخيرة، باسم الشفيق؟ أم أن الرحيل سيشكل لحظة لإعادة التموضع وظهور قيادة انتخابية جديدة داخل الإقليم؟

في المقابل، فإن الجماعة التي ارتبط بها اسم الراحل، المجاطية أولاد الطالب، تدخل بدورها مرحلة جديدة. فالرجل كان جزءاً من تدبيرها المحلي، كما كان حاضراً على المستوى الجهوي والبرلماني، وهو ما يجعل غيابه مؤثراً في أكثر من واجهة. والسؤال هنا ليس فقط من سيخلفه في المواقع المؤسساتية، بل كيف ستتفاعل البنية السياسية المحلية مع هذا الفراغ، ومن ستؤول إليه القدرة على التأثير في المرحلة المقبلة؟

وبعيداً عن الحسابات الانتخابية، تظل ظروف الوفاة نفسها جانباً حساساً في هذه القضية. فقد تداولت مصادر إعلامية معطيات عن وعكة صحية تطورت بصورة سريعة، قبل أن تنتهي بوفاته بالمستشفى العسكري الجامعي محمد الخامس بالرباط، فيما أثارت الأسرة انتقادات بشأن ظروف التكفل الطبي به داخل مستشفى الشيخ زايد.

وهنا ينبغي أن يبقى السؤال في حدوده المهنية الدقيقة: هل كانت الوفاة نتيجة تطور صحي حاد ومضاعفات لم يكن من الممكن تفاديها، أم أن ظروف التكفل الطبي تستوجب توضيحاً وخبرة تحدد، إن وُجد، أي مسؤولية أو تقصير؟ أما الحديث عن خطأ طبي أو فرضيات أخرى، فلا يمكن أن يتحول إلى حقيقة إلا بناءً على نتائج طبية أو تحقيقات رسمية.

وفي جنازته، حضرت إلى جانب الأسرة ورفاقه شخصيات وفعاليات سياسية ومنتخبون، بما عكس امتداد علاقاته داخل المشهد المحلي والجهوي. حضور شخصيات من خارج الانتماء الحزبي المباشر للراحل يضيء جانباً من طبيعة العلاقات السياسية التي تتجاوز أحياناً حدود التنافس الانتخابي، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تحالفات سياسية أو مواقف مشتركة بين جميع الحاضرين.

وهكذا، يضع رحيل هاشم أمين الشفيق مديونة أمام معادلة جديدة: حزب الاستقلال مطالب بإعادة ترتيب أوراقه، والمنافسون أمام متغير انتخابي لم يكن في حساباتهم، والجماعة أمام مرحلة انتقالية، فيما تظل الخريطة السياسية مفتوحة على إعادة التموضع وإعادة توزيع موازين القوى.

لقد رحل الشفيق شاباً، بعد مسار جمع بين العمل الجماعي والجهوي والبرلماني، وخاض خلاله محطات انتخابية وقضائية جعلت اسمه حاضراً في المشهد السياسي بمديونة. واليوم، لا يترك وراءه مقعداً شاغراً فحسب، وإنما يترك فراغاً سياسياً سيُختبر أثره مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي.

وهكذا، يتحول رحيله إلى حدث يتجاوز البعد الإنساني إلى تداعيات سياسية محتملة؛ فالموت خطف اسماً ثقيلاً من قلب الحراك السياسي بمديونة، لكن أثر غيابه على الخريطة الانتخابية وموازين القوى لن يظهر كاملاً إلا مع انطلاق المرحلة المقبلة.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا