انتخابات 2026 في المغرب.. صدارة جديدة وإعادة ترتيب لموازين الحكم والمعارضة

انتخابات 2026 في المغرب.. صدارة جديدة وإعادة ترتيب لموازين الحكم والمعارضة
محمد أعزوز 28 سبتمبر 2026

لم تكن انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد موعد انتخابي لتوزيع 395 مقعداً داخل مجلس النواب، بل كشفت عن إعادة ترتيب واضحة لموازين القوى الحزبية، من دون أن تعني بالضرورة انقلاباً كاملاً على الخريطة التي أفرزتها انتخابات 2021.

 فالنتائج النهائية التي أكدت وزارة الداخلية تطابقها مع النتائج المؤقتة، وضعت حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ 97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ 66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ 65، فالعدالة والتنمية بـ 54 مقعداً، بينما توزعت بقية المقاعد بين الحركة الشعبية بـ 29، والاتحاد الاشتراكي بـ 26، والتقدم والاشتراكية بـ 19، والاتحاد الدستوري بـ 17، وأحزاب أخرى بمقاعد أقل عدداً. وبذلك انتقل مركز الثقل من ترتيب 2021 إلى ترتيب جديد، مع احتفاظ ثلاثة أحزاب كانت تشكل الحكومة المنتهية ولايتها بمواقع متقدمة، وعودة العدالة والتنمية بقوة إلى المؤسسة التشريعية بعد تراجع غير مسبوق في انتخابات 2021.

وإذا كانت الأرقام وحدها لا تشرح السياسة، فإن مقارنتها بنتائج 2021 تكشف حجم التحول. فقد انتقل الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعداً، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66، والاستقلال من 81 إلى 65، في حين ارتفع العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعداً. نحن، إذن، أمام إعادة توزيع للأوزان داخل المشهد الحزبي أكثر من كوننا أمام انهيار للنظام الحزبي القائم؛ فالأحزاب الرئيسية ظلت حاضرة، لكن ترتيبها تغير، كما تغير موقع الحزب الذي قاد الحكومة بين 2021 و2026، بينما استعاد حزب العدالة والتنمية جزءاً مهماً من حضوره البرلماني. ومن المهم هنا ألا نُسقط على صناديق الاقتراع تفسيراً واحداً جاهزاً؛ فالصعود والتراجع الانتخابيان يتداخل فيهما الأداء الحكومي، وصورة الأحزاب لدى الناخبين، والتنظيم المحلي، وقوة المرشحين، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة المنافسة داخل كل دائرة.

واللافت أن هذه الانتخابات لم تُنهِ حضور الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية السابقة، بل أعادت ترتيب مواقعها: فالأصالة والمعاصرة، الذي كان شريكاً في الحكومة السابقة، أصبح الآن صاحب المرتبة الأولى؛ والتجمع الوطني للأحرار، الذي تصدر انتخابات 2021، انتقل إلى المرتبة الثانية؛ بينما احتفظ الاستقلال بموقع متقدم رغم تراجعه العددي. وهذا يجعل الحديث عن "قطيعة" مع المرحلة السابقة مبالغاً فيه؛ الأدق أن نقول إن الناخب المغربي أعاد توزيع القوة داخل الكتلة الحزبية ذاتها، وفتح في الوقت نفسه المجال أمام عودة العدالة والتنمية إلى موقع برلماني يسمح له بلعب دور أكبر بكثير مما كان متاحاً له خلال الولاية المنتهية.

لكن الرقم الذي يستحق اهتماماً خاصاً لا يوجد داخل قاعة البرلمان، وإنما خارجها: 38.08 في المائة هي نسبة المشاركة الوطنية، بحسب النتائج النهائية، مقابل أكثر من 50 في المائة سنة 2021. وهذه ليست مجرد ملاحظة إحصائية؛ إنها واحدة من أهم رسائل انتخابات 2026. فمهما كان ترتيب الأحزاب داخل البرلمان، تبقى هناك كتلة واسعة من المغاربة المسجلين في اللوائح الانتخابية لم تشارك في الاقتراع. ولذلك فإن قراءة النتائج من زاوية المقاعد وحدها تترك جانباً أساسياً من الصورة ناقصاً؛ البرلمان يعكس اختيارات الذين صوتوا، لكنه لا يلغي سؤال الذين اختاروا عدم المشاركة.

ومن هنا أيضاً ينبغي الحذر من التفسيرات التي تختزل العزوف في سبب واحد. فضعف المشاركة يمكن أن يرتبط بعوامل متعددة، من الثقة في الأحزاب والمؤسسات، إلى ضعف الجاذبية السياسية لدى بعض الفئات، مروراً بالشعور بأن نتائج الانتخابات لا تغير بما يكفي في الحياة اليومية. ولذلك فإن الرسالة الأهم التي تحملها نسبة المشاركة ليست موجّهة إلى حزب بعينه، وإنما إلى الحياة السياسية المغربية برمتها؛ كيف يمكن تحويل الانتخابات من موسم انتخابي دوري إلى علاقة سياسية مستمرة بين المواطن والمؤسسات والأحزاب؟

أما العدالة والتنمية، فإن عودته من 13 إلى 54 مقعداً تمثل أحد أبرز تحولات الاقتراع، لكن من الضروري وضعها في سياقها الصحيح. فهذا الرقم يعيد الحزب إلى واجهة البرلمان، لكنه لا يعيده إلى وضع 2016 حين حصل على 125 مقعداً. لذلك فالأدق الحديث عن استعادة قوية لجزء من الحضور البرلماني، لا عن عودة إلى الهيمنة السابقة. كما أن وجود الحزب في المرتبة الرابعة يجعله رقماً مهماً في موازين المعارضة، خصوصاً إذا بقي خارج الحكومة، لكنه لا يمنحه وحده القدرة على احتكار موقع المعارضة أو تمثيل كل الأصوات المعارضة.

وهنا نصل إلى السؤال الذي سيطغى على المرحلة المقبلة: من سيشكل الحكومة؟ فالحصول على المرتبة الأولى لا يعني امتلاك الأغلبية البرلمانية. مجلس النواب يتكون من 395 عضواً، والأغلبية المطلقة تعني 198 مقعداً؛ أي إن حزب الأصالة والمعاصرة، رغم تصدره بـ 97 مقعداً، يحتاج إلى 101 مقعد إضافي على الأقل لبناء أغلبية من هذا الحجم. وهذه نقطة أساسية يجب تصحيحها في بعض القراءات المتداولة. الرقم الحاسم ليس 101 مقعد، بل 198 مقعداً للأغلبية المطلقة، بينما 101 هو عدد المقاعد الإضافية التي يحتاج إليها البام انطلاقاً من رصيده الحالي.

ومن الناحية الدستورية، يكتسب الحزب المتصدر موقعاً مركزياً في هذه المرحلة، إذ ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. لكن الصدارة لا تعني أن الحكومة تتشكل آلياً، لأن الانتقال من المرتبة الأولى إلى رئاسة حكومة قابلة للعمل يمر عبر بناء أغلبية سياسية وبرنامج حكومي قادر على جمع عدد كاف من النواب.

وهنا تصبح الحسابات الانتخابية مدخلاً لفهم المرحلة المقبلة، لا تنبؤاً بمآلها. فالأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال يتوفرون مجتمعين على 228 مقعداً، وهو عدد يتجاوز الأغلبية المطلقة بـ30 مقعداً. كما أن أي تركيبة أخرى تجمع البام مع أحزاب متوسطة الحجم يمكن أن توفر الأغلبية المطلوبة. غير أن جمع الأرقام لا يكفي لصناعة تحالف سياسي؛ فكل حزب يدخل المفاوضات حاملاً برنامجه، وموقعه داخل المشهد، وشروطه السياسية والتنظيمية، كما أن العلاقة بين الأحزاب خلال الحملة الانتخابية قد تؤثر في طبيعة التفاوض، وإن لم تكن وحدها المحدد له.

وفي المقابل، فإن الجديد الأهم في البرلمان المقبل قد يكون على مستوى المعارضة. فالعدالة والتنمية عاد بـ54 مقعداً، إلى جانب الاتحاد الاشتراكي بـ 26، والتقدم والاشتراكية بـ 19، والاتحاد الدستوري بـ 17، والحركة الديمقراطية الاجتماعية بـ 8، وتحالف اليسار بـ 8، وغيرها من المكونات. كما ظهرت بالفعل دعوات إلى تنسيق نيابي داخل اليسار، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة تنظيم المعارضة حول قضايا وبرامج، وليس فقط حول الانتماءات الحزبية.

وهذه النقطة تحديداً تستحق الانتباه، لأن الولاية المقبلة قد تشهد انتقالاً من برلمان كانت فيه المعارضة محدودة الوزن العددي خلال جزء كبير من الولاية السابقة إلى برلمان تتوفر فيه مكونات معارضة ذات حضور أكبر. لكن قيمة المعارضة لن تقاس بعدد المقاعد وحده؛ بل بقدرتها على استعمال الأدوات الدستورية والبرلمانية في التشريع والمساءلة ومراقبة العمل الحكومي وتقديم البدائل. وبالمثل، فإن قيمة الأغلبية لن تقاس فقط بقدرتها على جمع 198 نائباً، وإنما بمدى انسجامها وقدرتها على تنفيذ برنامج واضح ومحاسبة أعضائها سياسياً أمام الرأي العام.

وفي النهاية، هناك سؤال يتجاوز كل الحسابات الحزبية: ماذا سيفعل الفائزون بهذه المقاعد؟ فالمواطن المغربي لا يعيش داخل جداول النتائج، وإنما يواجه يومياً قضايا التشغيل والدخل والأسعار والسكن والصحة والتعليم والاستثمار والماء والفوارق المجالية. كما أن المغرب يدخل مرحلة دقيقة ترتبط باستكمال أوراش كبرى والاستعداد لاستحقاقات دولية، وعلى رأسها كأس العالم 2030؛ وبالتالي فإن الرهان لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات والمشاريع، وإنما بقدرتها على إنتاج فرص الشغل والقيمة المضافة وتحسين الخدمات وتحقيق أثر ملموس في مختلف جهات المملكة.

لهذا، فإن انتخابات 2026 يمكن قراءتها باعتبارها إعادة ترتيب لا انقلاباً، وتغييراً في موازين القوى لا تغييراً للنظام الحزبي برمته. تصدّر الأصالة والمعاصرة، تراجع الأحرار والاستقلال مقارنة بـ2021، عودة العدالة والتنمية بقوة، استمرار حضور الأحزاب التقليدية والمتوسطة، ثم انخفاض المشاركة إلى 38.08 في المائة؛ كلها عناصر ترسم مشهداً سياسياً جديداً نسبياً، لكن ملامحه النهائية لن تتحدد إلا مع تشكيل الحكومة ووضوح تركيبتها وبرنامجها، وبروز ملامح المعارضة وأدائها.

وفي المحصلة، انتهى يوم الاقتراع، لكن المرحلة السياسية الحقيقية بدأت بعد إعلان النتائج. فالبام حصل على الصدارة، لكنه لم يحصل وحده على الأغلبية؛ والأحزاب التي ستشارك في الحكومة ستكون مطالبة بتحويل التحالف الانتخابي إلى مسؤولية سياسية؛ أما الأحزاب التي ستجلس في المعارضة فسيكون عليها أن تثبت أن المعارضة ليست مجرد خطاب مضاد، بل مؤسسة دستورية لها وظيفة الرقابة وتقديم البدائل. وبين هذا وذاك يبقى المواطن هو الطرف الذي سيحكم في النهاية على الحصيلة، لا بعدد المقاعد، وإنما بما سيراه في حياته اليومية من شغل وخدمات وعدالة مجالية وفعالية في تدبير الشأن العام.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا