مشاركة 38.02 بالمائة فقط والبقية غابوا… هل نستعيد الثقة قبل انتخابات 2027 أم يتكرر العزوف؟

مشاركة 38.02 بالمائة فقط والبقية غابوا… هل نستعيد الثقة قبل انتخابات 2027 أم يتكرر العزوف؟
بقلم: بوشعيب حمراوي 25 سبتمبر 2026

قبل سنوات تحدثت في مقالة بعنوان «قطار التنمية عالق بين الناخب والمنتخب… إلى متى؟» عن علاقة مرتبكة بين المواطن والسياسة، وبين الناخب والمنتخب، وعن مواطن أنهكته الوعود وأضعفته الخيبات المتراكمة، وعن حياة سياسية لا ينبغي أن تتحول إلى موسم تفتح فيه الدكاكين الحزبية أبوابها كلما اقتربت الانتخابات، ثم تغلقها أو تخفت أنوارها بمجرد توزيع المقاعد والمواقع؛ كما طرحت يومها أسئلة حول العزوف، والتسجيل في اللوائح الانتخابية، والمال الانتخابي، واختيار المرشحين، وموقع الشباب والنساء، وإمكان الاستفادة من الرقمنة، وضرورة أن يصبح صوت المواطن بداية للمحاسبة لا نهاية لعلاقته بالمنتخب.

مرت السنوات، وتغيرت قوانين وبعض الوجوه والتحالفات ووسائل الحملات والتواصل، لكن السؤال بقي تقريباً في المحطة نفسها، بل إن انتخابات مجلس النواب ليوم 23 شتنبر 2026 أعادته بصورة أكثر إلحاحاً، بعدما أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة بلغت 38,02 في المائة على المستوى الوطني؛ مقابل 50,18 في المائة في تشريعيات 2021، أي بتراجع يزيد على اثنتي عشرة نقطة مئوية.

والأمر هذه المرة لا يتعلق فقط بانطباعات صحفيين أو كتاب أو محللين؛ فرئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان آمنة بوعياش اعتبرت هذه النسبة إنذاراً للمؤسسات المنتخبة، وقالت إنها تسائل الفاعلين التنفيذي والتشريعي في تفاعلهم مع القضايا المجتمعية والانشغالات اليومية للمغاربة، وتعكس مستوى الثقة ومدى الإحساس بجدوى التصويت، داعية إلى أن تستوعب المؤسسات رسالة هذه النسبة وأن تراجع أنشطتها وخطاباتها ووسائل عملها.

إنه الكلام نفسه الذي يعيدنا، بعد سنوات، إلى قطار التنمية العالق بين الناخب والمنتخب.

38,02   في المائة… ليست مجرد نسبة

من الخطأ أن نتعامل مع نسبة المشاركة باعتبارها مجرد رقم يضاف إلى محضر الانتخابات ثم يطوى بمجرد إعلان النتائج وتوزيع المقاعد، لأن الأرقام الانتخابية تحمل رسائل سياسية ومجتمعية، وقد يكون ما لم يدخل الصندوق أحياناً أكثر دلالة مما دخل إليه.

صحيح أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان خلص، بناء على المعطيات التي جمعها ملاحظوه في 3915 مكتب تصويت، إلى أن يوم الاقتراع مر في أجواء وصفها بأنها «قد تكون عادية»، باستثناء واقعتين بمكتبين بمدرسة القدس بطنجة قال إنهما مستا بنزاهة الاقتراع على مستوى المكتبين، وأعلن عزمه إحالة تقرير بشأنهما على النيابة العامة. كما تجاوزت تغطية المجلس 8,9 في المائة من مكاتب التصويت.

لكن انتظام الاقتراع في عمومه لا يلغي السؤال السياسي الكبير:

لماذا شارك 38,02 في المائة فقط من المسجلين وغاب الباقون؟

ليس الهدف من السؤال توجيه الاتهام إلى المواطن، ولا تحويل كل ممتنع عن التصويت إلى مقاطع سياسي، لأن أسباب عدم المشاركة متعددة، وقد تكون سياسية أو اجتماعية أو شخصية أو لوجستيكية، وإنما المطلوب أن نفهم ماذا تقول النسبة للمؤسسات والأحزاب والمنتخبين.

فليس كافياً أن نسأل المواطن: لماذا لم تصوت؟

يجب أن نسأل أيضاً الأحزاب والمنتخبين والمؤسسات: ماذا فعلتم حتى تجعلوا المواطن يشعر بأن لصوته أثراً وبأن الذهاب إلى صندوق الاقتراع يستحق فعلاً الوقت والاهتمام والثقة؟

الانتخابات تنتهي في يوم… والثقة تبنى بين انتخابين

أحد أكبر أعطاب ممارستنا السياسية أننا نمنح يوم الانتخابات حجماً هائلاً، ثم نتعامل مع السنوات الفاصلة بين اقتراعين وكأنها زمن سياسي ثانوي، مع أن العكس هو الصحيح.

الثقة لا تبنى داخل المعزل الانتخابي في ثوان، بل تتكون قبل ذلك بسنوات.

يبنيها المنتخب عندما يظل قريباً من المواطن بعد حصوله على المقعد، ويبنيها البرلماني عندما يمارس التشريع والرقابة ويتواصل مع من يمثلهم، ويبنيها الحزب عندما يؤطر ويقترح ويجدد نخبه ويحاسب منتخبيه طوال السنة، وتبنيها الحكومة عندما يرى المواطن أثر السياسات العمومية في المدرسة والمستشفى والشغل والنقل والإدارة والخدمات والعيش اليومي.

وهذه إحدى الرسائل الأساسية التي أبرزتها رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حين ربطت رهانات الانتخابات بالفترة الممتدة بين استحقاقين، وبالشفافية والمساءلة والمساواة الفعلية في فرص المشاركة والتأثير والتمثيل.

فالانتخابات لا تبدأ عندما تعلق الصور في الشوارع.

إنها تبدأ في اليوم التالي لإعلان النتائج.

الحزب ليس دكاناً يفتح في موسم الانتخابات

حين تنخفض المشاركة، من السهل جداً إلقاء اللوم كله على المواطنين، والحديث عن اللامبالاة وضعف الوعي السياسي أو عدم الإحساس بالمسؤولية، لكن الأحزاب مطالبة هي الأخرى بأن تنظر في المرآة.

فهل ظلت حاضرة بين المواطنين طوال الولاية؟

هل كانت مقراتها مفتوحة؟ هل واصلت التأطير؟ هل أنصتت إلى الشباب؟ هل قدمت حساباً عن عمل منتخبيها؟ هل حاسبت من أخفق منهم؟

هل فتحت المجال أمام كفاءات جديدة أم حافظت على التوازنات والأسماء والولاءات نفسها؟

الحزب الذي لا يتذكر المواطن إلا عندما يحتاج صوته، لا يمكنه أن يستغرب عندما لا يتذكر المواطن الحزب يوم الاقتراع.

والحزب الذي يريد ثقة الناس في الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن ينتظر موعدها لكي يبدأ في استعادتها؛ فالثقة ليست منشوراً انتخابياً يطبع في أسبوعين، ولا خطاباً يلقى فوق منصة، ولا صورة للمرشح وهو يصافح المواطنين في سوق أو حي، وإنما رصيد يبنى بالفعل والسلوك والحضور والمحاسبة.

التسجيل في اللوائح… لماذا يبقى الحق موسمياً؟

من القضايا التي أثرتها قبل سنوات مسألة التسجيل في اللوائح الانتخابية، وما زلت أرى أنها تستحق نقاشاً أعمق.

فالمواطن المغربي يبلغ سن الثامنة عشرة، ويحصل على بطاقة التعريف الوطنية، والدولة تتوفر على المعطيات المدنية اللازمة لتحديد هويته ومحل إقامته، فلماذا لا نتحرك تدريجياً في اتجاه نظام أكثر بساطة واستمرارية يجعل التسجيل الانتخابي أقرب إلى التلقائية، مع توفير آليات قانونية واضحة لتحيين المعطيات وتغيير الدائرة وحماية البيانات الشخصية؟

ومن اللافت أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان أوصى، في خلاصاته المتعلقة بانتخابات 2026، بإعادة النظر في الفترة المخصصة للتسجيل في اللوائح، من خلال جعل التسجيل مفتوحاً بصورة مستمرة خلال الفترة السابقة للاستحقاقات، مع تحديد تاريخ واضح لإغلاقه قبل الانتخابات، بهدف توسيع فرص التسجيل والحد من الطابع الظرفي للمشاركة.

وهي خطوة يمكن أن تفتح نقاشاً أوسع مستقبلاً حول التسجيل التلقائي نفسه.

لأن التصويت حق سياسي، وكلما استطعنا تقريب ممارسة هذا الحق من المواطن وتبسيط الإجراءات المرتبطة به، أزلنا واحداً من الحواجز التي قد تفصل بينه وبين الصندوق.

المال الانتخابي خطير… لكن فقدان الثقة أخطر

لقد تحدثنا طويلاً عن شراء الأصوات، وعن المال والهدايا والخدمات وعن الوسطاء الذين ينشطون مع كل استحقاق، ولا خلاف على أن التأثير غير المشروع في إرادة الناخب يجب أن يحاصر بالقانون، وأن كل من يثبت تورطه فيه ينبغي أن يتحمل مسؤوليته وفق ما ينص عليه القانون.

لكن علينا ألا نرتكب خطأ اختزال أزمة الانتخابات كلها في «الشناقة» والمال الانتخابي.

لأن السؤال الأعمق هو: لماذا يصبح بعض المواطنين أصلاً قابلين للدخول في هذه العلاقات الانتخابية المشوهة؟

وما الذي يجعل صوتاً دستورياً وسياسياً، يفترض أن يحدد من سيدبر الشأن العام، يتحول لدى البعض إلى خدمة أو مبلغ أو وعد شخصي؟

استعادة قيمة الصوت لا تتم بالعقوبة فقط، بل أيضاً بأن يشعر المواطن أن اختياره يحدث فرقاً؛ وأنه يستطيع بالصندوق أن يحاسب من أخفق ويمنح الفرصة لمن يراه أقدر، وأن هناك صلة فعلية بين اختياره وبين طريقة تدبير الشأن العام.

فالمال الذي يحاول شراء صوت المواطن ليلة الانتخابات خطر، لكن الأخطر منه أن يشعر المواطن طوال سنوات بأن صوته لا قيمة له.

العزوف رسالة… لكنه لا يعفي المؤسسات من السؤال

ليس كل من غاب عن التصويت صاحب موقف واحد، ولذلك ينبغي الحذر من وضع أكثر من ستة ناخبين من كل عشرة مسجلين في خانة سياسية واحدة؛ فبينهم الممتنع، والمتردد، وغير المهتم، والغاضب، ومن حالت ظروفه دون المشاركة.

لكن حجم الغياب نفسه يستوجب الدراسة.

وإذا اعتبرت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن نسبة المشاركة تستدعي مراجعة الخطابات ووسائل العمل وتفاعل المؤسسات مع القضايا اليومية للمغاربة، فإن النقاش ينبغي أن ينتقل من لوم الناخب إلى فهمه.

ماذا ينتظر المواطن من السياسة؟ ولماذا لم تعد الأحزاب تقنع فئات منه؟ وأين توجد الفجوات الأكبر: لدى الشباب؟ في بعض المجالات الترابية؟ بين فئات اجتماعية محددة؟

لا يمكن علاج العزوف بشعار «اذهبوا للتصويت» فقط، بل بمعالجة الأسباب التي تجعل البعض يتساءل أصلاً عن جدوى الذهاب.

الشباب والنساء… الحضور لا يقاس فقط بعدد الأسماء

لا يمكن كذلك الحديث عن استعادة الثقة من دون فتح أبواب الحياة السياسية أمام طاقات جديدة.

والمطلوب ليس فقط زيادة أعداد الشباب والنساء داخل لوائح الترشيح، وإنما معرفة المواقع التي يحتلونها داخلها، ومدى مشاركتهم في القرار الحزبي، وقدرتهم على الوصول إلى المسؤوليات، وما إذا كانت الأحزاب تنظر إليهم باعتبارهم فاعلين سياسيين كاملين أم مجرد أرقام لتحسين صورة اللوائح.

وقد أكدت قراءة المجلس للاستحقاق أن التفاوتات بين الشباب والنساء وبين الجهات والمجالات الترابية تطرح سؤال المساواة الفعلية في الوصول إلى المشاركة والاستفادة من فرص التأثير والتمثيل.

والتجديد الحقيقي لا يعني استبدال وجه بوجه أصغر سناً، وإنما تجديد أساليب الاختيار والتأطير والتكوين والمحاسبة، وإعطاء الكفاءة والنزاهة والقدرة على التواصل والتدبير المكان الذي تستحقه داخل الأحزاب واللوائح الانتخابية.

الانتخابات الرقمية… الفكرة ما زالت قائمة ولكن بشروط جديدة

حين كتبت مقالتي السابقة، تحدثت عن إمكان توسيع الرقمنة في العملية الانتخابية، بل طرحت سؤال الانتخابات عن بعد، انطلاقاً من التطور الذي كانت تعرفه الخدمات الرقمية.

اليوم أصبح السؤال أكثر تعقيداً.

لقد تحولت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي إلى ساحات رئيسية في الحملات الانتخابية والتواصل السياسي، وهو واقع ظهر بوضوح خلال انتخابات 2026.

لكن التطور الرقمي حمل معه تحديات لم تكن بالحجم نفسه قبل سنوات: التضليل، والحسابات المزيفة، والمحتوى المركب، والذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، إضافة إلى تحديات حماية المعطيات والهوية الرقمية والأمن السيبراني وسرية الاختيار.

ولذلك لا أرى أن المطلوب القفز مباشرة إلى التصويت الإلكتروني الكامل، وإنما بناء الطريق إليه إن ثبتت جدواه وضماناته؛ بداية من رقمنة التسجيل والتحقق من الوضع الانتخابي وتحديد مكتب التصويت، والوصول السهل إلى معلومات المرشحين وبرامج الأحزاب والنتائج والمعطيات المفتوحة، ثم تقييم كل مرحلة قبل الانتقال إلى أخرى.

فالحداثة الانتخابية لا تعني فقط الضغط على زر، بل الثقة في المنظومة القانونية والتقنية التي توجد خلف ذلك الزر.

"فتح تحقيق"… ثم ماذا؟

من النقاط المهمة التي أثارها المجلس الوطني لحقوق الإنسان عقب انتخابات 23 شتنبر واقعتا طنجة، ليس فقط لأنه أعلن أنه سيحيل بشأنهما تقريراً على النيابة العامة، وإنما لأن رئيسة المجلس شددت على ضرورة أن يعرف الرأي العام مآلات الأبحاث والإجراءات المتخذة، مع احترام حقوق الأطراف والضمانات القانونية.

وقالت إن قيمة فتح التحقيق تكتمل عندما تتاح معرفة كيف انتهى وكيف تمت معالجة الوقائع والإجراءات المتخذة لحماية نزاهة الاقتراع.

وهي مسألة تتجاوز انتخابات 2026.

لأن المواطن يسمع مراراً عن فتح أبحاث وتحقيقات، لكن الثقة تحتاج أيضاً إلى معرفة المآلات.

هل ثبتت المخالفة؟ هل تمت المتابعة؟ هل صدر حكم؟

أم انتهى البحث إلى عدم قيام ما يستوجب المتابعة؟

كل النتائج ممكنة في دولة القانون، لكن المهم ألا يتحول إعلان فتح البحث إلى آخر خبر يعرفه المواطن عن القضية.

وبعد نحو سنة… صناديق الجماعات تنتظرنا

لن يكون أمامنا متسع كبير لكي نعرف ما إذا كنا قد فهمنا رسالة انتخابات 2026 أم لا.

فالمجالس الجماعية الحالية منبثقة عن انتخابات 2021، والقانون التنظيمي رقم 59.11 ينص على انتخاب أعضاء مجالس الجهات والعمالات والأقاليم والمجالس الجماعية والمقاطعات لمدة ست سنوات، بينما يحدد التاريخ الدقيق للاقتراع بمرسوم ينشر في الجريدة الرسمية. وهذا يجعلنا أمام استحقاق جماعي مرتقب في أفق سنة 2027، وإن كان موعده الدقيق يحتاج إلى صدور المرسوم المنظم له

وهنا يصبح سؤال الثقة أكثر إلحاحاً.

لأن الانتخابات الجماعية هي الأقرب إلى الحياة اليومية للمواطن، وربما الأكثر قابلية لأن يقيس بها حصيلة المنتخب مباشرة.

فالمنتخب الجماعي يلتقي المواطن في الطريق التي يعبرها، وفي الإنارة والنظافة والنقل والتعمير والسوق والحديقة والمرفق والخدمات المحلية، والمواطن قادر بعد ست سنوات تقريباً على أن ينظر حوله ويسأل ببساطة:

ماذا تغير؟ ماذا أنجز؟ ماذا تعثر؟ ومن كان مسؤولاً؟

هل ستقدم المجالس حصيلة ست سنوات قبل طلب أصوات جديدة؟

قبل أن يبدأ سباق الترشيحات والتزكيات والتحالفات، سيكون من المفيد أن تخرج المجالس والأحزاب إلى المواطنين بحصائل واضحة.

ليس فقط لائحة من المشاريع والأنشطة، بل أجوبة دقيقة.

بماذا التزمنا سنة 2021؟

ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ لماذا؟ كم أنفقنا؟ ما المشاريع التي تعطلت؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والتدبيرية عن التعثر؟

إن مطالبة المواطن بمنح الثقة مرة أخرى دون أن نقدم له حساباً عن الثقة السابقة تعني أننا لم نفهم بعد جوهر الديمقراطية.

والحزب الذي يريد فعلاً تجديد نفسه قبل جماعيات 2027 عليه أن يبدأ من الآن في تقييم منتخبيه، وأن يمتلك القدرة على تثمين الناجح ومساءلة المقصر وعدم إعادة تزكية من يرى أنه أخفق، لا أن يجعل ضمان المقعد أو النفوذ المحلي المعيار الوحيد للاختيار.

أمامنا نحو سنة… هل نعيد بناء الثقة أم ننتظر الحملة؟

هذه هي المسألة المركزية.

لدينا تقريباً سنة قبل الاستحقاق الجماعي المرتقب.

والسنة طويلة جداً لمن يريد الاشتغال، وقصيرة جداً لمن يريد أن ينام سياسياً ثم يستيقظ مع تعليق أول ملصق انتخابي.

يمكن أن تتحول هذه الفترة إلى ورش حقيقي لاستعادة الثقة: أحزاب تعود إلى التأطير، ومجالس تقدم حسابها، ومنتخبون ينفتحون على المواطنين، ونقاش جاد حول التسجيل والتمثيلية والكفاءات، ومؤسسات تشرح وتحاسب وتنشر المعلومات، وإعلام يؤدي دوره في المتابعة والمساءلة بدل أن يكتفي بملاحقة الحملات والصراعات الحزبية عند اقتراب موعد التصويت.

ويمكن أيضاً ألا يحدث شيء من ذلك.

يمكن أن تمر الشهور، ثم نستيقظ سنة 2027 على الصور نفسها، والمواكب نفسها، والوعود نفسها، والابتسامات نفسها، والزيارات المفاجئة للأسواق والأحياء والدواوير نفسها، ثم نغلق مكاتب التصويت وننتظر نسبة المشاركة الجديدة.

وعندها، إذا تكرر العزوف، سيكون من الظلم أن نضع المواطن وحده في قفص الاتهام.

قبل أن يصل قطار 2027…

قبل سنوات تحدثت عن «قطار التنمية العالق بين الناخب والمنتخب».

واليوم أعود إلى العنوان نفسه، لكن أمام رقم جديد ورسالة أكثر وضوحاً.

38,02   في المائة فقط شاركوا في انتخابات مجلس النواب ليوم 23 شتنبر 2026.

ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان تعتبر النسبة إنذاراً للمؤسسات المنتخبة، وتدعوها إلى قراءة الرسالة ومراجعة طرق الاشتغال والخطاب، وربط المشاركة بالثقة وبجدوى التصويت وبالاستجابة للقضايا اليومية للمغاربة.

وبعد نحو سنة سنكون أمام امتحان آخر أقرب إلى تفاصيل حياة المواطن: انتخابات الجماعات. فهل سنقضي ما يفصلنا عنها في استعادة الثقة؟

هل ستغير الأحزاب طريقة اشتغالها وانتقاء مرشحيها؟

هل سيقدم المنتخبون حصيلة ولايتهم قبل أن يطلبوا ولاية جديدة؟

هل سنفتح المجال للكفاءات؟ هل سنجعل التسجيل والمشاركة أكثر سهولة؟ هل ستصبح المحاسبة ممارسة وليست شعاراً؟

هل ستعود السياسة إلى المواطن قبل أن تحتاج صوته؟

أم سننتظر حلول سنة 2027، ونفتح الدكاكين السياسية من جديد، ونرفع الشعارات نفسها، ثم نفاجأ مساء الاقتراع بأن نسبة كبيرة من المواطنين اختارت الغياب، فنطرح السؤال نفسه الذي نطرحه اليوم:

لماذا لا يشارك المغاربة؟

لدينا نحو سنة لكي لا نحتاج إلى تكرار السؤال.

ولدينا نحو سنة لكي نعرف إن كان 38,02 في المائة رقماً قرأناه وانتهينا منه، أم رسالة فهمناها وتصرفنا على أساسها.

فقطار التنمية لا يحتاج إلى ناخب يوم الاقتراع وحده، ولا إلى منتخب يوم توزيع المقاعد وحده؛ يحتاج إلى علاقة ثقة ومحاسبة تمتد بين الاستحقاقين.

وإلا فإننا سنصل إلى محطة 2027 لنكتشف، مرة أخرى، أن القطار لم يغادر مكانه…

وأن المسافة بين الناخب والمنتخب ما زالت أطول من المسافة التي تفصل المواطن عن صندوق الاقتراع.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا