سبتة: زمن التاريخ، زمن الذاكرة

سبتة: زمن التاريخ، زمن الذاكرة
بقلم: مروان القباج – ترجمة محمد صالح اكليم عن أسبوعية "Maroc hebdo" 03 سبتمبر 2026

في ليلة 30-31 يوليوز 2026، عبر أكثر من 40 ألف مهاجر الحدود في سبتة. الحادث الذي وصفه رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، حينها بأنه"هجوم" و"انتهاك لسيادة إسبانيا". وفي غضون ساعات قليلة، تبلورت الرواية الإسبانية حول ثلاثة محاور: الحدود، السيادة، والأمن الأوروبي. واختارت الرباط عدم الرد بالمثل.

أما الرد، إن وُجد، فقد جاء لاحقًا. ففي يوم الاثنين 24 غشت 2026، وخلال الحفل الديني بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف الذي تراسه، الملك محمد السادس، خصص أحمد توفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، جزءًا من كلمته لاثنين من العلماء المولودين في سبتة: القاضي عياض وأبو عباس العزافي. كما أشار إلى دعاء الإمام الجزولي لتحرير المدن المحتلة على طول ساحل المحيط الأطلسي.

ولم يأتِ أي تلميح إلى أزمة يوليو. ومع ذلك، يضفي السياق على هذه الإشارة صدىً خاصًا.

علينا أن نتوخى الحذر من نسبة نوايا دبلوماسية إلى أحمد توفيق لم يُفصح عنها. ولكن علينا أيضًا أن نُسلّم بأن السياق في السياسة قد يُضفي معنىً خاصًا على الكلمات التي، لو أُخذت بمعزل عن سياقها، لما كان لها بالضرورة التأثير نفسه. فبينما وفّرت مدريد على الفور مادةً دسمةً لحملة إعلامية معادية للمغرب، بيد ان  الرباط تركت الأمور تأخذ مجراها مع مرور الوقت.

القاضي عياض ليس مجرد تفصيل عابر في تاريخ سبتة. فقد وُلد فيها في القرن الحادي عشر، ودرس فيها، وتولى فيها منصب القاضي. ومن الواضح أن استحضاره بعد قرون لا يُغيّر من الوضع الراهن للمدينة. فهو لا يُغيّر أي حدود ولا يُلغي أي معاهدات.

لكن الدبلوماسية لا تُمارس أبدًا من خلال النصوص القانونية فحسب، بل تتجلى أيضًا من خلال التمثيلات والسرديات والقدرة على فرض إطار للتفسير. تتحدث إسبانيا عن الحدود، ويستحضر المغرب التاريخ، وتستند مدريد في تحليلها إلى النظام القانوني الراهن، بينما تستحضر الرباط عمقًا تاريخيًا يسبق التكوين السياسي الحالي لشبه الجزيرة الإيبيرية بعدة قرون.

هذان السياقان مُختلفان، ولهذا السبب تحديدًا، من غير الحكمة تحويل مرجع تاريخي إلى عقيدة دبلوماسية.

فالذاكرة، مهما بلغت قوتها، لا تُشكّل في حد ذاتها سياسة خارجية. قد تُؤجّج مطالبة، وتُحافظ على الاستمرارية التاريخية، وتُشكّل سردية وطنية، بل قد تُمهّد الطريق لعقيدة، لكنها لا تستطيع أن تُحلّ محلّها. هنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الرباط.

إذا كان ذكر القاضي عياض مجرد تذكير بالتراث، فسيظل رمزًا واحدًا من بين رموز كثيرة. أما إذا ساهم في تأمل أوسع حول الأراضي المغربية الخاضعة للإدارة الإسبانية، فإنه سيصبح جزءًا من سردية سياسية أوسع.

لا يمكن لمدريد تجاهل هذا الخطاب. فهي تدرك تمامًا أن تاريخ هذه الأراضي هو أيضًا تاريخ سيادات وانقطاعات وذكريات متضاربة. كما تدرك أن الرباط لم تتخلَّ قط، من حيث المبدأ، عن قضية سبتة ومليلية.

فلماذا إذًا اللجوء إلى الباحثين والمخطوطات والذاكرة بدلًا من إعلان رسمي؟

ربما لأن الإعلانات تستجيب للأحداث، بينما تبقى الروايات خالدة. فالأزمة تتلاشى في نهاية المطاف من عناوين الأخبار، والشخصية التاريخية تقاوم الزمن، لكن الذاكرة لا تستعيد مدينة ولا تعيد رسم حدودها. إنها ببساطة تُذكّرنا بأن للمدينة تاريخًا، وأن هذا التاريخ لا يزال بالإمكان سرده.

 في الرباط، السؤال الآن هو ما إذا كان ينبغي فقط سردها أم ما إذا كان من الممكن أن تصبح مقدمة لمطالبة سياسية.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا