الطاحونة بلا طحين… ملاعب عالمية والكرة المغربية في انتظار حصاد الألقاب

الطاحونة بلا طحين… ملاعب عالمية والكرة المغربية في انتظار حصاد الألقاب
بقلم: ذ- المصطفى شقرون 15 أغسطس 2026

حين تبنى طاحونة قوية، وتجهز بأفضل الآلات، ويوفر لها الماء أو الريح والطاقة، فإن الغاية في النهاية ليست أن نتأمل جمال الطاحونة أو ضخامة بنائها، وإنما أن نرى الطحين الذي تنتجه. فالقيمة الحقيقية لأي مشروع لا تقاس فقط بما أُنفق عليه، بل بما يحققه من نتائج.

وهذا التشبيه يمكن إسقاطه على كرة القدم المغربية. فقد قطع المغرب أشواطا مهمة في تطوير البنيات التحتية الرياضية، وشيدت وأُعيد تأهيل ملاعب بمعايير عالية، وأُنشئت أكاديميات ومراكز للتكوين، ووفرت إمكانات مالية وتقنية وبشرية كبيرة. وكل ذلك يستحق التقدير، لكنه يضعنا أمام سؤال مشروع: أين الطحين الذي ننتظره من هذه الطاحونة؟

إذا كانت الملاعب والأكاديميات والتجهيزات الحديثة هي أدوات صناعة النجاح، فإن الألقاب هي أحد أهم أشكال الحصاد الرياضي. فهل يكفي أن نمتلك منشآت رياضية عالمية لكي نقول إن المشروع الكروي قد نجح؟ أم أن النجاح الحقيقي يقتضي تحويل هذه الإمكانات إلى تكوين مستمر، وتدبير جيد، ومنتخبات قوية، ثم إلى ألقاب وإنجازات تتناسب مع حجم الاستثمار والطموح؟

لا يمكن إنكار التطور الكبير الذي عرفته كرة القدم المغربية على مستوى البنية التحتية والتنظيم والتكوين. وهذه مكاسب ينبغي المحافظة عليها وتطويرها، لأنها تشكل الأساس الذي لا يمكن بناء كرة قدم قوية من دونه.

لكن الملاعب لا تلعب المباريات، والأكاديميات لا ترفع الكؤوس بمفردها.

فالملعب، مهما بلغت جودته، يظل فضاء يحتاج إلى لاعب مكون، ومدرب كفء، وإدارة محترفة، وتخطيط بعيد المدى. والأكاديمية، مهما كانت تجهيزاتها، لا تكون ناجحة لمجرد جمال بناياتها، وإنما بعدد المواهب التي اكتشفتها، ونوعية اللاعبين الذين كوّنتهم، وقدرتهم على حمل القميص الوطني وتحقيق النتائج.

وهنا أعود إلى صورة الطاحونة: قد تكون الطاحونة حديثة وقوية، ولكنها تحتاج إلى الحبوب، والطحان الماهر، وحسن التسيير، ثم الطحين. فإذا غاب واحد من هذه العناصر اختلت العملية

وفي كرة القدم، يمكن اعتبار الملاعب والمنشآت هي الطاحونة، والمواهب هي الحبوب، والمدربون والأطر التقنية والإدارية هم من يديرونها، أما الطحين فهو الحصيلة: لاعبون من مستوى عال، منتخبات قوية، استمرارية في الأداء، وألقاب قارية ودولية.

ولا ينبغي، مع ذلك، اختزال النجاح الرياضي كله في كأس واحدة. فقد يصل منتخب إلى أدوار متقدمة، ويحقق إنجازا كبيرا، ثم لا يفوز باللقب بسبب تفاصيل صغيرة تحسمها مباراة واحدة. لكن عندما تتكرر المشاركات وتتوافر الإمكانات وتكبر الاستثمارات، يصبح من المشروع أن يرتفع سقف المطالب وأن تتحول مرحلة المشاركة المشرفة إلى مرحلة المنافسة الدائمة على التتويج.

وهنا تبرز أهمية المسير الجيد للطاحونة.

فالأموال وحدها لا تصنع الأبطال، والمنشآت وحدها لا تنتج الألقاب. النجاح يحتاج إلى حكامة، ومحاسبة، وتقييم موضوعي بعد كل مشاركة: ماذا نجح؟ ماذا فشل؟ لماذا خسرنا؟ هل الخلل تقني أم تكتيكي أم نفسي؟ هل نحسن إعداد اللاعبين للمباريات الحاسمة؟ وهل توجد استمرارية حقيقية بين تكوين الفئات الصغرى والمنتخب الأول؟

إن المغرب اليوم لا ينبغي أن يكتفي بالقول: لدينا ملاعب جميلة وأكاديميات حديثة، بل ينبغي أن ينتقل إلى السؤال الأصعب: ماذا أنتجت هذه المنظومة؟

فالاستثمار الرياضي ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة. وكلما كانت الوسائل أكبر، أصبحت المسؤولية عن النتائج أكبر أيضا.

نريد ملاعب عالمية، نعم. ونريد أكاديميات ومراكز تكوين حديثة، نعم. ونريد تنظيم أكبر المنافسات الرياضية، بالتأكيد. لكننا نريد أيضا أن يدخل اللاعب المغربي إلى المنافسات الكبرى بعقلية من جاء ليتوج، لا ليشارك فقط.

لقد بنى المغرب الطاحونة، وطورها، وأنفق عليها، ووفر لها كثيرا من شروط النجاح. وما ننتظره الآن هو أن يكون الطحين في مستوى الطاحونة.

فلا قيمة حقيقية لطاحونة تدور باستمرار إذا لم تنتج الا الضجيج، ولا يكفي في الرياضة أن نفتخر بالوسائل إذا لم نحسن تحويلها إلى نتائج مستدامة.

لذلك فالسؤال ليس انتقاصا من المجهود المبذول، بل دعوة إلى استكماله:

وعندما تتكامل جودة المنشآت مع جودة التكوين، وكفاءة التدريب، وحسن التسيير، والمحاسبة والاستمرارية، عندها فقط نستطيع أن نقول:

الطاحونة تدور… والطحين حاضر.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا