استفيقوا، فالمغرب يتعرض لهجوم عدواني شرس من كل حدب وصوب
طوال أسبوعين، تسعى حملةٌ تتسم بحدةٍ نادرة ودون هوادة إلى تشويه الصورة التي قضى المغرب سنواتٍ في بنائها وصقلها وتلميعها. وخلال هذين الأسبوعين، آثر الكثير منا الصمت، وكأن الأمر لا يعنينا؛ وكأن اللامبالاة في مواجهة هجومٍ يطال سمعتنا أيضاً يمكن أن تمر دون عواقب.
لنكن صادقين مع أنفسنا! فالمغرب يواجه صعوباتٍ اقتصادية واجتماعية حقيقية؛ إنها حقيقةٌ قاسية لا يمكن إ حيث تدهورت القدرة الشرائية بشكلٍ حاد، في حين تتحمل الفئات الأكثر هشاشةً عبئاً لا يمكن للسياسات العامة تجاهله.
في الوقت الذي تتوجه فيه الأنظار نحو الانتخابات التشريعية المقرر اجراؤها في 23 سبتمبر القادم، لا بد من إخضاع حصيلة عمل حكومة أخنوش المشرفة ولايتها على نهايتها لتدقيق صارم؛ بدءاً من إدارتها الكارثية لملفي التشغيل والبطالة، واستمرار ممارسات الريع وتضارب المصالح، وارتفاع أسعار الاستهلاك، والخيارات السياسية المعتمدة منذ تحرير أسعار الوقود، وصولاً إلى القضية الحساسة والمستمرة المتعلقة بمصفاة "لا سامير" (بالمحمدية التي تعثرت جهود إعادة تشغيلها -بشكل مثير للاستغراب- لسنوات. ولا ينبغي التغاضي عن أي من هذه الأمور بذريعة وطنية سطحية؛ فالدولة التي تعجز عن نقد ذاتها ينتهي بها المطاف حتماً إلى خداع نفسها، والديمقراطية التي تتخلى عن مبدأ المساءلة تفقد جزءاً جوهرياً من مصداقيتها.
لكل شيء أوانه؛ ولا ينبغي الخلط بين وقت النقد والنقاش والمساءلة والمحاسبة، وبين تلك اللحظة التي تستغل فيها أطراف خارجية معينة نقاط ضعفنا لتوجه لنا ضربة في صميم كياننا. فهذا هو الأمر الذي يجب التصدي له تحديداً. حيث استغل جزء من الصحافة الإسبانية - مدعوماً بشريحة واسعة من الطبقة السياسية- الأحداث المؤلمة التي شهدتها سبتة لصياغة سردية لا تسعى للفهم قبل إطلاق الأحكام؛ لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات الإسبانية، وهي فترة يظل فيها العداء تجاه المغرب - للأسف- أداة سياسية فعالة. فلم تعد الروايات المتعلقة بأحداث ليلة 30-31 يوليو تُقرأ لمجرد استجلاء الحقائق، بل أصبحت تُفسَّر من خلال منظور مسبق التكوين.
ولم تتوقف هذه السردية عند حدود إسبانيا؛ إذ عمدت بعض وسائل الإعلام الأوروبية -أو حتى الغربية- على تضخيم الأمر عمداً وبطريقة خبيثة. ويُعد هذا تذكيراً لأولئك الذين يؤمنون بسذاجة بمشاهد العناق المتلفز والتصريحات الودية، بأن المظاهر الدبلوماسية للمودة لا تعدو كونها مجرد صور؛ فهي مشاهد جذابة تُلتقط في القاعات الفخمة والهادئة لحفلات الاستقبال الرسمية، لكنها سرعان ما تتلاشى بمجرد أن تقرر جهة إعلامية ما تبني زاوية مختلفة للطرح.
إن رد الفعل هذا ليس بالأمر الجديد؛ فهو جزء من تاريخ طويل من الصور النمطية -التي بُنيت بتأنٍ عبر الأجيال، ووصلت حتى إلى الكتب المدرسية- حيث طالما صُوِّر المغرب كجارٍ يستوجب الحذر منه، وكمصدر تهديد متكرر، وكـ "آخر" من ينبغي التحصن منه.
وتستحق هذه الصورة النمطية الدراسة والتوثيق والنقاش؛ وقد تناول المحلل سمير بنس هذا الموضوع ببراعة في كتابه الصادر عام 2021 بعنوان "سوء الفهم الكبير: تاريخ العلاقة المضطربة بين المغرب وإسبانيا"
في ظل هذه الأجواء، قد تتحول مهاجمة المغرب -سواء استهدفت مؤسساته أو حتى شخص الملك- بالنسبة لبعض وسائل الإعلام أو السياسيين، إلى خطوة تدرّ مكاسب فورية؛ كارتفاع نسب المتابعة، وزيادة عدد النقرات، وأحياناً حتى حصد المزيد من الأصوات. هكذا تُختزل كرامة أمة بأسرها في مجرد تكتيك انتخابي أو وسيلة لجذب الانتباه الإعلامي.
أمام هذا الواقع، ما العمل؟
هنا يتعين علينا النظر إلى أنفسنا بوضوح وصراحة تامة، وبشجاعة، مع الإيمان الراسخ بأن الصمت ليس فضيلة دائماً. إننا -سواء كنا مثقفين أو أكاديميين أو كتّاباً أو صحفيين أو فنانين أو صنّاع محتوى أو رجال أعمال أو طلاباً- نتحمل مسؤولية تتجاوز حالة "اللامبالاة المريحة". وهي ليست مسؤولية تقتضي منا إنكار مشكلاتنا، ولا أن نتحول إلى أبواق تردد الرواية الرسمية دون تمحيص؛ بل هي مهمة -رغم تواضعها- تتطلب جهداً كبيراً، وتتمثل في تصويب الأمور عند تحريف الحقائق، وكشف المغالطات التي تتستر بعباءة الحقيقة، ومواجهة الإدانة والاتهامات بالتحليل الرصين.
يعني ذلك الكتابة؛ أي نشر نصوص ومقاطع فيديو وبرامج صوتية (بودكاست) تكرّس الوقت لتفكيك السرديات المتحيزة بأسلوب منهجي، والتحقق من الأرقام، وتتبع المعلومات إلى مصادرها، ومقارنة الروايات المختلفة، ودحض الأكاذيب. كما يعني الحفاظ على حضور مستمر — بدلاً من العمل المتقطع — في الساحة التي تدور فيها الآن معركة تشكيل التصورات العامة: أي وسائل التواصل الاجتماعي — ولا سيما منصتي "إكس" (X) و"فيسبوك" — والمنصات التي يمكن فيها لشائعة لم تُفنّد أن تتحول، في غضون ساعات، إلى حقيقة مُسلّم بها لدى ملايين الأشخاص الذين لن يطلعوا أبداً على الرد أو التفنيد الذي قد يُنشر في اليوم التالي.
الدفاع عن الوطن لا يعني التغاضي عن عيوبه.
الوطنية ليست فن غض الطرف عن الأخطاء، بل تستلزم أيضاً امتلاك الثقة الكافية في الوطن للاعتراف بنقاط ضعفه، والإشارة إليها عند الضرورة، والعمل على تصحيحها. وما ينبغي أن يثير قلقنا ليس النقد بحد ذاته، بل تحويل النقد إلى اتهام، وقلب الخطأ ليصبح حقيقة، وتضخيم حوادث معزولة لتصبح هي السمة المميزة للأمة بأسرها.
يخوض المغرب حالياً معركة هادئة للحفاظ على رصيدٍ بناه على مر السنين: سمعته ومصداقيته ونفوذه، وما يسميه الدبلوماسيون "القوة الناعمة"؛ وهو رصيد يصفه المواطنون العاديون ببساطة بأنه فخر الانتماء لهذا الوطن. وهذا الفخر لا يقتضي العمى أو التهاون، بل يتطلب منا ببساطة ألا نترك الآخرين يروون قصة المغرب نيابة عنا، لا سيما حين يفعلون ذلك عبر تبسيط مخلّ للأمور، أو مغالطات، أو سرديات يصيغها الخصوم.
فإذا تآكل هذا الرصيد بشكل خطير، فلن يكون من الممكن إعادة بنائه بين عشية وضحاها. لذا، لنستفق؛ ولكن لا بغضب أعمى، ولا بإنكار لنقائصنا، ولا بإهانة لمن ينتقدوننا. بل لنستفق برؤية ثاقبة، وإلمام بالحقائق، وروح التضامن.
إن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على البيانات الرسمية، بل يتحقق أيضاً بكلمات القادرين على الكتابة، وذكريات العارفين بتاريخه، ودقة من يتحققون من الحقائق، ويقظة كل من يرفضون ببساطة تجاهل الواقع.
لنستفق؛ ففي معركة السرديات، ينتهي المطاف بالصمت دائماً إلى إفساح المجال للآخرين.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس