موريتانيا بين الحياد المعلن والانحياز الواقعي: الدوه ولد بنيوك نموذجاً

موريتانيا بين الحياد المعلن والانحياز الواقعي: الدوه ولد بنيوك نموذجاً
بقلم: الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما 09 أبريل 2026

تُعيد مشاركة من يقدمون أنفسهم كـسياسيين وادباء ومثقفين كواجهة سياسية وثقافية لموريتانيا، في فعاليات ذات طابع سياسي واضح بمخيمات تندوف، طرح سؤال جوهري حول وظيفة البعض وحدود دوره. فحين ينخرط من يفترض فيه إنتاج المعنى وبناء الوعي "الدوه ولد بنيوك" في أنشطة تحمل رسائل منحازة، فإنه يفقد جزءاً كبيراً من مصداقيته الرمزية، ويتحول من موقع النقد إلى موقع التوظيف. وهنا يصبح توصيف هذا السلوك أقرب إلى من له "وجهين ف راس واحد"، وهو توصيف يجد ما يبرره في هذا التناقض الصارخ بين ما يفترض أن يمثله السياسي والمثقف وما يمارسه فعلياً.

إن العلاقات التي تجمع المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية تمتد عميقاً في التاريخ، وتقوم على روابط اجتماعية وثقافية وجغرافية متشابكة. غير أن هذا العمق التاريخي يصطدم اليوم بممارسات صادرة عن بعض النخب، تُفرغ خطاب "الحياد" من مضمونه. فبينما تعلن نواكشوط رسمياً التزامها بالحياد، نجد في الواقع استقبالا واحتضانا لعناصر مرتبطة بجبهة البوليساريو، ومشاركة متكررة لفاعلين موريتانيين من مختلف المسارب السياسية والثقافية في أنشطة داخل مخيمات الحمادة بالرابوني، وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا حول طبيعة هذا الحياد: هل هو موقف متوازن فعلاً، أم مجرد حياد سلبي يميل في التطبيق إلى طرف دون آخر؟

وفي سياق دولي يتسم بحركية دبلوماسية متسارعة، مع استمرار المفاوضات وطرح مشاريع قرارات أممية جديدة، فإن مثل هذه السلوكيات لا يمكن اعتبارها معزولة. بل إنها تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تغذية حالة الجمود وإطالة أمد النزاع، خصوصاً حين تتقاطع مع خطاب رقمي متنامٍ على منصات التواصل الاجتماعي، يعكس عداءً واضحاً لكل ما هو مغربي، في تناقض مع الجهود التي تبذلها الرباط لتعزيز علاقات التعاون والشراكة مع موريتانيا.

إن الإشكال، في جوهره، لا يتعلق بشخص بعينه بقدر ما يعكس نمطاً لدى بعض الفاعلين الذين يجمعون بين خطاب الحياد وممارسات تناقضه. وهو ما يجعل توصيف هذا السلوك ك "حياد انتقائي" أو "إزدواجية في المواقف" أقرب إلى الواقع، ويبرر القول بأن هناك من لا يزال "يأكل مع الذيب ويبكي مع السارح"، في صورة تختزل مفارقة قائمة بين الخطاب والممارسة، وتستدعي نقاشاً صريحاً حول مستقبل هذا الحياد ومصداقيته.

وانطلاقاً من هذا التناقض القائم بين الحياد المعلن والممارسة الفعلية، يصبح من المشروع اليوم توجيه نداء واضح وصريح إلى الأشقاء في موريتانيا بضرورة الانسجام مع الدينامية الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة، وعلى رأسها القرار رقم 2797، الذي يندرج في سياق البحث عن حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق، يقوم على مقترح الحكم الذاتي كأرضية للتسوية

فاستمرار الاعتراف بالبوليساريو، أو التغاضي عن أنشطته وصولات افراده وجولاتهم طولا وعرضا بموريتانيا، واستقبال بعض عناصره بالأحضان باعتبارهم مسؤولين في "دولة"، لم يعد منسجماً مع منطق الحياد ولا مع متطلبات الاستقرار الإقليمي، بل يكرّس حالة الغموض ويغذي إطالة أمد النزاع. وعليه، فإن خطوة مسؤولة في اتجاه تجميد هذا الاعتراف، أو مراجعته بشكل رسمي، من شأنها أن تعزز مصداقية الموقف الموريتاني، وتدعم جهود الحل السياسي، وتفتح آفاقاً أرحب لعلاقات متوازنة تخدم مصالح شعوب المنطقة وتكرّس منطق الوضوح بدل الازدواجية.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا