بين رحابة الوطن وصرامة الحكم على زيان... العفو الذي يحتاجه المغرب الآن!

بين رحابة الوطن وصرامة الحكم على زيان... العفو الذي يحتاجه المغرب الآن!
بقلم: الدكتور مراد بورجى 09 أبريل 2026

في اللحظات التي تتكاثف فيها رهانات الدول، فإن قوة الأوطان، التي غالبا ما تُقاس بما تراكمه من إنجازات أو بما تحققه من انتصارات، تتجسد كذلك في قدرتها على الإنصات لنبضها الداخلي وترميم ما قد يتصدّع في عمقها الإنساني. واليوم، ونحن نتابع الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط، القاضي بتأييد إدانة النقيب محمد زيان بخمس سنوات سجنا نافذا، بعد مسار قضائي طويل انتهى بإعادة المحاكمة عقب قرار صادر عن محكمة النقض، فإن هذا الحدث، الذي لا يفترض أن يمرّ كخبر عابر في سياق عادي، يفرض علينا نفسه كفرصة لإعادة طرح سؤال العفو، لا كإجراء قانوني، وإنما كخيار سياسي وإنساني يعكس ثقة الدولة في ذاتها وفي قدرتها على تحويل لحظات التوتر إلى إمكانات للانفراج.. 

النقيب المسن محمد زيان، الذي بلغ من العمر عتيا (84 سنة)، لم يعد، في تقديري، مجرد اسم في ملف قضائي، لقد أضحى جزءا من ذاكرة سياسية وقانونية مغربية، بكل ما تحمله هذه الذاكرة من اختلاف وتناقض وتراكم... قد نختلف معه أو حوله، وقد تتباين التقديرات بشأن مواقفه، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن استمرار رجل في هذا السن خلف القضبان، بعد أن قضى سنوات من عمره في قلب الحياة العامة، يطرح سؤال الجدوى: ماذا يربح الوطن من ذلك؟ وماذا يمكن أن يربح لو اختار، في لحظة سيادية راقية، أن يفتح باب الصفح؟

إن المغرب، وهو يستعد لاستحقاقات كبرى، لا يحتاج فقط إلى تعبئة اقتصادية وسياسية واجتماعية ودبلوماسية، إنه يحتاج أيضا إلى مناخ داخلي مشحون أو طافح بالأمل. نحن على أبواب انتخابات تشريعية مفصلية، يُراد لها أن تؤسس لمرحلة سياسية جديدة، ونحن أيضا على مشارف طيّ واحد من أعقد الملفات الإقليمية المرتبطة بقضيتنا الوطنية، كما أن بلادنا منخرطة في أوراش كبرى استعدادا لاحتضان كأس العالم 2030، بما يحمله ذلك من رهانات صورةً وثقةً ومكانةً...

في مثل هذه اللحظات، تصبح الإشارات الرمزية أقوى من كثير من الخطب. والعفو الملكي، كما جرت به التقاليد في مناسبات عديدة، مثلما هو تعبير عن الرحمة، فإنه أيضا إعلان ضمني عن قوة الدولة، لأن الدول الواثقة من نفسها لا تتردّد أمام نداء الصفح، ولا تتخلّف عن المبادرة إلى جعل الصفح في الحاضر جزءا من هندسة المستقبل.

ليس المقصود، هنا، أن يكون التماس العفو عن النقيب محمد زيان كاعتراض على مسار قضائي، ولا حتى كموقف سياسي ظرفي، وإنما كدعوة إلى استثمار لحظة وطنية دقيقة لإعادة ضخ جرعة من الأمل في الجسد المغربي. فالعفو، في جوهره، لا يُلغي القانون، بل يُكمله بروح الإنسانية... 

وإذا كان هذا النداء يجد مبرره في الحالة الإنسانية لرجل مسنّ، فإنه يتسع أيضا ليشمل ما تبقى من معتقلي حراك الريف، وكذا معتقلي احتجاجات جيل Z، ممن لم يتورطوا في أفعال إجرامية جسيمة. فالوطن، وهو يمضي إلى الأمام، لا يمكن أن يظل مثقلا بملفات مفتوحة تستنزف منسوب الثقة بينه وبين جزء من أبنائه.

لقد أثبتت التجربة المغربية، خاصة منذ إطلاق مسار المصالحة مع هيئة الإنصاف والمصالحة، أن القدرة على طيّ الصفحات المؤلمة هي أحد أسرار الاستقرار والاستمرارية. واليوم، ونحن في حاجة إلى نفس جديد، يبدو أن استحضار تلك الروح أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

إن العفو، حين يأتي في لحظة مناسبة، يصبح تجسيدا أو ترجمة راقية لفكرة الدولة التي تتسع للجميع. دولة لا تُختزل في منطق العقاب فقط، دولة ترتقي إلى منطق الاحتواء وإعادة الإدماج، دولة تدرك أن بناء المستقبل لا يتم فقط عبر المشاريع الكبرى والبنيات التحتية، وإنما أيضا عبر ترميم الجسور الإنسانية، التي قد تتصدع في لحظات التوتر... 

لا أريد الاستفاضة أكثر، فلا أحد يملك أن يُغيّر ما حدث، لكن الجميع معني بصياغة ما سيأتي وسيحدث. وبين ماض مثقل بالتوترات، ومستقبل مفتوح على الرهانات والتحديات، يظل العفو واحدا من أنبل الأدوات التي تملكها الدولة لتقول، بهدوء وثقة: إن المغرب يسع جميع أبنائه، وإن قوة الوطن مثلما هي في صرامة قوانينه، هي أيضا في رحابة قلبه...

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا