الإبداع والحرب: الحياة على حافة الفناء

الإبداع والحرب: الحياة على حافة الفناء
بقلم: عبد العزيز كوكاس 26 مارس 2026

استمتعت مساء أمس بشكل كبير باللقاء الإذاعي المتميز الذي أعده الزميل الشاعر سعيد كوبريت حول موضوع "الإبداع والحرب" الذي حظيت بشرف الدعوة إلى المشاركة فيه.. في الحقيقة تبدو الحرب في ظاهرها نقيضا للإبداع، ولكن بالعودة إلى أروع النصوص الكونية من ملاحم هوميروس إلى الشاهنامة الفارسية حتى أشعار الجاهلية والمعلقات تعتبر عتبتها الإبداعية العليا، إلى إبداعات الحروب الكونية الأخيرة، تبرز الحرب أحد أكثر شروط الإبداع توترًا وخصوبة. فالإبداع لا يولد في مناطق الطمأنينة والرخاء فقط، بقدر ما يتفجر في لحظات الاختلالات والانكسارات الكبرى. كما جسدتها أعمال شهيرة على سبيل التمثيل لا الحصر: "الحرب والسلام" لتولستوي، و"الأرض اليباب" لت.س. إليوت، و"لا شيء يحدث في الجبهة الغربية"، موسيقى "السيمفونية السابعة" (لينينغراد)ل ميتري شوستاكوفيتش، ولوحة "غيرنيكا" لبابلو بيكاسو وغيرها كثير... وإذا كانت الموسيقى تتصدع مع صدمة الحرب، والتشكيل يُجسّد تشظياتها، فإن المعمار يعيش الحرب في أكثر أشكالها ماديةً وملموسية. فالحرب تضرب المعمار في صميم وظيفته كملجأ للأمان والاستقرار لتعيد تشكيله، وهو ما حفظ لنا معمارا باذخا بجمالية ناتجة عن العنف والموت. 

إن الحرب تجربة وجودية قصوى تُعيد صياغة علاقة الإنسان بالعالم، وبذاته، وبالآخر. والإبداع هو الشكل الذي تظهر فيه الحرب داخل الإنسان نفسه.. إذا انطلقنا من تصور سيغموند فرويد، فإن الحرب ليست انحرافًا عرضيًا في تاريخ الإنسانية، بل تعبير عن توتر أصيل في النفس البشرية، بين مبدأ اللذة وغريزة الموت (Thanatos) حيث يصبح الإبداع نفسه استجابة معقدة لهذا التوتر: كفعل تسامي (Sublimation) يحول العنف إلى شكل رمزي وكمحاولة لترويض اندفاع نحو التدمير يسكن أعماق الذات.

فالحرب، عند فرويد، تكشف ما تحجبه الحضارة: أن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا بالكامل، بل هو مشدود إلى نزعة تفكيك، إلى رغبة لا واعية في العودة إلى حالة السكون الأولى. هنا، يغدو الإبداع لحظة مقاومة داخلية، حيث تُعاد صياغة هذه الطاقة التدميرية في شكل جمالي. لكن المفارقة أن هذا التحويل لا يلغي الأصل، بل يحتفظ به في قلب العمل الفني: كل نص عظيم عن الحرب يحمل في داخله أثر العنف الذي يسعى إلى تجاوزه.

وقد تجاوز مارتن هيدغر، فرويد الذي ظل أسير أفق نفسي- طبيعي، نحو مستوى أنطولوجي. فالحرب، في نظره، ليست فقط صراعًا بين قوى، بل لحظة انكشاف للكائن في أقصى حدوده. إنها ما يمكن تسميته بـ "الانفتاح القاسي (violent disclosure)، حيث يُلقى الإنسان في مواجهة العدم، فيختبر وجوده كـ"كينونة نحو الموت" (Sein-zum-Tode).

حيث يصبح الإبداع طريقة في الكشف (aletheia) أي رفع الحجاب عن الحقيقة. تفتح الحرب، رغم عنفها، أفقًا يرى فيه الإنسان هشاشته الأصلية، وانكشافه الجذري. ويتبدى العمل الفني موقعًا لهذا الانكشاف، لأنه يجعلنا نعيش الحرب كخبرة وجودية، كاهتزاز في معنى الكينونة نفسها.

وقد حذر هيدغر من خطر آخر أن تتحول الحرب إلى مجرد "مورد" داخل منطق التقنية، حيث يُختزل الإنسان إلى شيء قابل للاستعمال. فيفقد الإبداع قدرته على الكشف، ويتحول إلى إنتاج آخر داخل آلة التشييء. وهنا يطرح السؤال: هل يمكن للفن أن يعيد للوجود عمقه، في عالم تحكمه التقنية والحروب الصناعية؟

في زمن الحرب، تصبح للغة أنياب ومخالب، لأنها جزء من الآلة العسكرية لإدارة الصراع لذلك تتعرض لانهيار مزدوج: من جهة، تُختزل في خطاب دعائي يُفرغها من دلالتها، ومن جهة أخرى، تعجز عن الإحاطة بهول التجربة لحظة الحرب. هنا، يتدخل الإبداع ليعيد تشكيل العالم داخل فضاء رمزي، يسمح بتحويل الألم إلى تجربة قابلة للتأمل. ويسعى إلى تفكيك الحرب ليكشف عن عبثيتها، عن لا معقولها، عن هشاشة السرديات التي تبررها. ويكشف أيضًا عن الخوف، عن التردد، عن الانكسار... ويعيد الإنسان إلى مركز التجربة ككائن هش يعيش على حافة الفقد.

تفتح الحرب أمام الإبداع أفقًا جديدًا لفهم الزمن. ففي زمن السلم، يبدو الزمن متصلًا، متدرجًا، قابلًا للتوقع. أما في الحرب، فينكسر هذا الإيقاع، ويتحول الزمن إلى شظايا: لحظات مكثفة، مشاهد متقطعة، ذاكرة مثقوبة. هذا التمزق الزمني ينعكس في أشكال الكتابة نفسها، حيث تميل النصوص إلى التقطيع، إلى الشذرة، إلى الانقطاع، كما لو أن الشكل يحاكي تجربة العيش داخل الانهيار. كما تعيد الحرب طرح سؤال الهوية بشكل جذري. فهي تكشف عن هشاشة الانتماءات، وعن قابلية الإنسان للتحول، سواء نحو العنف أو نحو التضامن. في هذا السياق، يصبح الإبداع مساحة لإعادة التفكير في قيمة أن تكون إنسانًا، خارج القوالب الجاهزة. إنه يفتح المجال أمام سرديات بديلة، تُقاوم الاختزال، وتعيد الاعتبار للتجربة الفردية داخل العاصفة الجماعية.

لكن الأهم أن الإبداع، في سياق الحرب، يبتكر أشكالًا للمقاومة. مقاومة رمزية، تتمثل في الحفاظ على القدرة على الحلم، وعلى السرد، وعلى تخيل عالم آخر. فكل نص يُكتب ضد النسيان، هو في حد ذاته فعل مقاومة. وكل صورة تُعيد للإنسان ملامحه وسط الدمار، هي شكل من أشكال الانتصار الهش.

إن الإبداع والحرب يلتقيان في نقطة واحدة: كلاهما يكشف حدود الإنسان. الحرب تكشف ضعفه وقابليته للتدمير، والإبداع يكشف قدرته على إعادة بناء الحياة من قلب هذا الدمار. وبين هذين الحدين، يتشكل أحد أعمق أسئلة الوجود: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنسانًا، حين يصبح العالم غير قابل للفهم؟

ينقذ الإبداع في زمن الحرب إمكانية التفكير في العالم خارج الموت. وتكمن قوته الحقيقية في أن يظل صوتًا، حتى حين يبدو أن كل شيء قد انهار. فأعظم الأعمال الإبداعية عن الحرب كانت تلك التي تجعلنا نشعر بأننا معنيون بها ككائنات تحمل في داخلها إمكانية العنف وإمكانية تجاوزه في آن واحد.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا