وادنون.. هل تفشل النخبة أم يجري إفشالها؟ قراءة في تجربتي بوعيدة والصباري

وادنون.. هل تفشل النخبة أم يجري إفشالها؟ قراءة في تجربتي بوعيدة والصباري
الحسن بونعما* 22 مارس 2026

في وادنون، لا يبدو النقاش حول النخبة مجرد ترف فكري عابر، بل يكاد يكون سؤالا مزمنا يعود كلما برزت تجربة سياسية أو احتدم الجدل حول مسارها.

فوادنون، التي أنجبت عبر تاريخها عددا من الأطر والكفاءات في مجالات شتى، تجد نفسها اليوم أمام معادلة تبدو عصية على الفهم: حضور معتبر للنخب في الواجهة السياسية والإعلامية، مقابل تأثير محدود في توجيه النقاش العمومي أو تحويل الأفكار إلى فعل تنموي ملموس.

ولعلّ ما يُثير الانتباه أن كل تجربة سياسية برزت في الجهة سرعان ما تتحول إلى موضوع سجال حادّ يعيد طرح السؤال ذاته: هل تعاني وادنون من أزمة نخبة، أم أن المشكلة تكمن في بيئة عاجزة عن احتضان هذه النخب؟

هذا السؤال لا ينفصل عن التحولات التي عرفتها جهة كلميم وادنون خلال السنوات الأخيرة، حيث يبدو أن الإشكال قد لا يتعلق بالأفراد أو بالمواقع التي يشغلونها بقدر ما يرتبط بطبيعة العلاقة المعقدة بين النخبة والبنية المؤسساتية والمجال السياسي والاجتماعي الذي تتحرك داخله.

فقد تحول المجال السياسي في كلميم، في كثير من الأحيان، إلى فضاء للصراع يجعل من احتضان التجارب وتثمينها أمرا عسيرا، وبدل أن ينصب النقاش على تقييم موضوعي للمسارات والحصيلة في أفق بناء تفكير جماعي حول مستقبل الجهة، ينزلق في أحيان كثيرة نحو سجالات حادة تطرح الأسئلة المغلوطة، والتي تختلط فيها الاعتبارات السياسية بالاصطفافات الضيقة.

وإذا اتفقنا على أن النخبة التي يُعوَّل عليها هي تلك الأطر المثقفة المنتمية إلى الجهة، فإن تجربة رئيس الجهة السابق عبد الرحيم بوعيدة، وتجربة النائب البرلماني محمد الصباري، تبدوان نموذجين بارزين لهذه الإشكالية.

فهذان المساران، رغم اختلاف السياقات، يعكسان تعقيد العلاقة بين النخبة والمجال في وادنون، حيث يتأرجح النقاش باستمرار بين فرضيتين: فشل النخبة أو إفشالها.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة عبد الرحيم بوعيدة باعتبارها محاولة لنموذج سياسي مثقف وجد نفسه يشتغل داخل سياق سياسي غير مستقر، اتسم بتوترات حادة داخل مجلس الجهة وصراعات معقدة حالت دون تبلور تجربة مؤسساتية قابلة للتقييم الهادئ.

وهو ما سبق أن عبّر عنه بوعيدة حين صرّح بأن الجهة تحولت إلى ما يشبه "مختبرا لتفصيل الخرائط السياسية"، وذلك في إشارة دالة إلى هشاشة المجال المحلي وما يتيحه من توازنات وصراعات قد تعرقل استقرار التجارب السياسية.

ومن هذه الزاوية، يصعب تحميل النخبة وحدها مسؤولية تعثر هذه التجربة، بقدر ما تكشف عن حدود الاشتغال داخل بنية سياسية محلية ما تزال محكومة بثقافة الصراع والتوازنات الهشة.

غير أن ما يستحق الانتباه في هذه التجربة هو أنها حملت دلالة رمزية أعمق؛ إذ بَدا في كثير من النقاشات التي رافقتها وكأن وجود شخصية ذات خلفية فكرية على رأس مؤسسة جهوية تحوّل، لدى بعض الأطراف، إلى مناسبة لتكريس خطاب مفاده أن المثقفين لا مكان لهم في تدبير الشأن العام

وهنا يبرز سؤال لا ينبغي القفز عليه: من المستفيد من ترسيخ مثل هذا الخطاب؟

لقد بات واضحا أن إقصاء النخب القادرة على التفكير النقدي وطرح الأسئلة المقلقة لا يخدم، في الغالب، سوى منظومات المصالح واللوبيات التي تجد في إضعاف حضور المثقف داخل المجال العمومي شرطا لاستمرار ممارساتها بعيدا عن المساءلة والرقابة.

وليس خافيا أن الجهة قدمت خلال السنوات الماضية نماذج مؤسفة تؤكد هذه المفارقة، في ظل ضعف الدور التأطيري والرقابي الذي يفترض أن تضطلع به مؤسسات الدولة والهيئات الوسيطة في حماية الفعل العمومي من الانزلاق نحو منطق المصالح الضيقة.

وإذا كانت تجربة بوعيدة قد طرحت سؤال العلاقة بين النخبة والمجال من زاوية التدبير الجهوي، فإن تجربة النائب البرلماني محمد الصباري تقدم زاوية أخرى لقراءة المسار ذاته.

ففي تدوينة مطولة استحضر فيها علاقته بمدينة كلميم، أكد الصباري أن ارتباطه بها لا يختزل في دائرة انتخابية، بل هو ارتباط انتماء ووفاء لأرض وادنون، ومن خلال هذا الخطاب بدا واضحا أنه يطرح مقاربة تقوم على الترافع عن ملفات وادنون وقضايا الجهة من داخل المؤسسات الوطنية، معتبرا العمل البرلماني أداة للدفاع عن انتظارات الساكنة ومواجهة الاختلالات.

كما أشار إلى أن مسارات العمل السياسي لا تسير دائما كما يشتهي أصحابها، وهو ما يعكس إدراكا لتعقيدات المجال السياسي المحلي، رغم تأكيده أنه يتصدر المشهد الرقابي في الدفاع عن قضايا الساكنة، ليس فقط على صعيد الإقليم، بل على صعيد الجهات الجنوبية الثلاث.

غير أن تجربة الصباري، وإن عكست مسارا مختلفا للنخبة الوادنونية داخل المؤسسات الوطنية، فإنها تؤكد استمرار التحديات نفسها التي تواجه نخب المنطقة، فحديثه الصريح عن مخاطر تغول الفساد وتمدد الاختلالات في صمت تهدّد المؤسسات المنتخبة والهيئات السياسية، وهو ما يعيدنا إلى السؤال الجوهري: هل يتعلق الأمر فعلا بفشل النخب، أم بطبيعة المجال الذي تتحرك داخله؟

وفي هذا السياق، يحق لنا أيضا أن نتساءل عن مسؤولية الدولة ومؤسساتها في هذا الوضع: إلى أي حدّ وفرت الشروط الموضوعية والمواكبة الفعلية لتمكين النخب المحلية من الاضطلاع بدورها في تدبير الشأن العام بما يخدم المواطن ويُنجح ورش الجهوية المتقدمة؟ أم أن بعض آليات اشتغال الدولة على المستوى الترابي أصبحت هي نفسها جزءا من الإشكال الذي يحُد من قدرة هذه النخب على تحويل حضورها السياسي إلى أثر تـنموي ملموس؟

كما أن الإرادة السياسية للأحزاب التي تنتمي إليها هذه النخب تبقى، هي الأخرى، أمام اختبار حقيقي في مدى امتلاكها الشجاعة والجرأة الكافيتين لإنجاح مشاركة النخب في الشأن العام، ليس فقط عبر منحها مواقع التمثيل، بل أيضا عبر توفير الدعم اللازم للفعل والتأثير والاستمرار.

وبين تجربتي بوعيدة والصباري، يتضح أن السؤال حول نخبة وادنون لا يمكن اختزاله في نجاح تجربة أو تعثر أخرى، ذلك أن التجارب السياسية لا تنمو في فراغ، بل داخل مجال تحكمه توازنات معقدة وبنية تقليدية ما تزال تقاوم حضور النخب القادرة على تحويل المعرفة والخبرة إلى فعل تنموي مؤثر.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في الحكم على الأفراد، بل في التفكير في شروط إصلاح المجال نفسه حتى يصبح قادرا على إنتاج النخب واحتضانها في الآن ذاته.

وهكذا يبقى سؤالنا المفتوح: كيف يمكن لوادنون أن تنتقل من فضاء يثير الجدل حول النخب إلى مجال يسمح ببروز صوت جماعي لنخب المنطقة ونسيجها الاجتماعي المحلي، بما يمكنها من أداء دورها الكامل والواعي والمسؤول في خدمة تنمية وادنون إقليما وجهة؟

* "باحث ومهتم بشؤون جهة كلميم وادنون"

 

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا