من وهم "روح الشعب" إلى حقيقة "روح المجتمع": سقوط البوليساريو وبروز حركة صحراويون من أجل السلام

من وهم
✍ الدكتور عبد القادر بريهما 06 يناير 2026

إذا كان أحمد بابا مسكة رحمه الله قد أطلق في زمن مضى مقولته الشهيرة في كتابه الشهير "البوليساريو روح شعب"، فإن تلك العبارة لم تكن سوى تعبير أيديولوجي عابر، صاغه دبلوماسي موريتاني انقلب على بلده، وغادر موقعه الأممي ليحط رحاله في مخيمات الحمادة، متوهمًا أنه يعانق "قضية تحرر"، قبل أن يكتشف، بعد فوات الأوان، أنه لم يكن سوى شاهد زور على مأساة إنسانية وصناعة إقليمية بامتياز. فالمقولة لم تصمد أمام اختبار الزمن، ولا أمام حقائق الميدان.

خمسون سنة مرت، وكانت كافية لتسقط الأسطورة. فبعد نصف قرن من التيه، لم تعد البوليساريو "روح شعب"، بل ثبت بالملموس أنها روح الجزائر وأداتها الوظيفية، ولسان حال مخابراتها، وذراعها المتقدم لمعاكسة المملكة المغربية في وحدتها الترابية الوطنية. لم تنتج البوليساريو دولة، ولا حررت إنسانًا، ولا أعادت كرامة، بل راكمت المقابر والانتظارات الكاذبة واللاحل، بينما ظلت القيادات تتغذى على الوهم وتراكم الثروة وتعيش على استمرار النزاع.

أما الجزائر، التي تختبئ خلف شعارات "حق الشعوب"، فقد كشفت ممارساتها أن القضية الصحراوية لم تكن يومًا قضية مبدئية، بل ورقة جيوستراتيجية صرفه، ورهانًا مهووسًا على منفذ إلى المحيط الأطلسي، ولو على حساب خمسين سنة من أعمار الصحراويين، وهويتهم، ومستقبل أبنائهم. الجزائر لم تدافع عن الصحراويين، بل استخدمتهم وقودًا لصراعها مع المغرب، و"احتجزتهم" رهائن داخل مخيمات "مغلقة"، خارج القانون الدولي وخارج منطق الإنسانية.

في هذا المشهد المأزوم، ووسط هذا الخراب السياسي والأخلاقي، برزت حركة صحراويون من أجل السلام كفعل تمرد حقيقي، لا على المغرب، بل على الوصاية الجزائرية، وعلى احتكار البوليساريو للتمثيل، وعلى خطاب أحمد بابا مسكة ومن سار على نهجه من منظري الوهم. حركة ولدت من رحم المعاناة، ومن وعي صحراوي ناضج أدرك أن الاستمرار في نفس الطريق ليس نضالًا، بل انتحار جماعي.

لقد تشكلت الحركة من أبناء الصحراويين أنفسهم، لا بقرار مخابراتي ولا بأجندة خارجية، بل بوعي مبكر لقياداتها، وعلى رأسهم الحاج أحمد باريكلى، الذي راكم تجربة طويلة داخل واقع المخيمات، واكتشف أن ما يسمى "تحريرا" لم يكن سوى إدارة للأزمة وإدامة لها. فاختار، مع رفاقه ومع المناضلين من ولاد الصحراويات، القطيعة مع العبث، والانحياز للإنسان الصحراوي لا للشعارات.

والحقيقة التي تزعج الجزائر والبوليساريو معًا، أن حركة صحراويون من أجل السلام كشفت العري السياسي للتنظيم، وأسقطت احتكاره للصوت الصحراوي، وفضحت تبعيته المطلقة لأجهزة القرار في الجزائر. ولهذا تحارب، وتشوه، ويتهم مناضلوها بالخيانة، لأنهم ببساطة قالوا ما لا يراد له أن يقال: إن الصحراويين ليسوا ملكًا لأحد، ولا وقودًا لصراعات إقليمية.

وإذا كان أحمد بابا مسكة قد أخطأ حين اعتقد أن البوليساريو روح شعب، فإن التاريخ اليوم يصحح المعادلة بوضوح: حركة صحراويون من أجل السلام هي روح المجتمع الصحراوي، وروح الواقعية السياسية، لأنها تؤمن بالحل الوسط وتتقاطع مع المقترح الأممي المتمثل في مشروع الحكم الذاتي كحل عملي، وبالاستقرار بدل الفوضى، وبالمستقبل بدل الارتهان. أما البوليساريو والجزائر، فقد أثبت الزمن أن من يبني مشروعه على الوهم والوصاية، مآله السقوط، وأن الشعوب في النهاية لا تنتصر بالشعارات، بل بالحقائق وبالواقعية.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا