موسم طانطان... صون لذاكرة الصحراء وجسر للتبادل الثقافي
ليس موسم طانطان مجرد موعد احتفالي عابر في أجندة التظاهرات الثقافية، بل هو مساحة تستعيد فيها الصحراء جزءاً من ذاكرتها الاجتماعية والرمزية، وتمنح فيها الثقافة الحسانية فرصة للظهور بوصفها ثقافة حية، لا بقايا من زمن مضى. ففي هذا الموعد تلتقي القبائل والعائلات وحملة الذاكرة الشفوية والحرفيون والفنانون، وتتقاطع الحكاية مع الشعر، والموسيقى مع الفروسية، والإبل مع تفاصيل العيش في المجال الصحراوي.
تستمد أهمية الموسم من قدرته على جمع عناصر متعددة في فضاء واحد: طقوس الاستقبال، والتقاليد الدينية والاجتماعية، والتبوريدة، واستعراضات المهاري، والخيام، والأزياء، والألعاب الشعبية، والشعر الحساني، والموسيقى، والحرف، وأشكال الضيافة. وهي عناصر لا تكتسب قيمتها من الفرجة وحدها، وإنما من المعاني التي تحملها ومن الصلات التي تنسجها بين الأجيال.
وتزداد رمزية هذا الموعد مع الاعتراف الدولي الذي حظي به؛ إذ أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» موسم طانطان سنة 2008 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، بعدما كان قد أُعلن عنه سنة 2005 ضمن روائع التراث الشفهي وغير المادي. ويؤكد هذا الاعتراف أن حماية التراث لا تتعلق بالمباني والآثار وحدها، بل تشمل المعارف والمهارات والتعبيرات التي تحفظها الجماعات وتعيد إنتاجها.
تعود الجذور المنظمة لموسم طانطان، - الذي يضع الإنسان الصحراوي في قلب الحكاية: حارساً للذاكرة، وفاعلاً في الحاضر، وشريكاً في نقل التراث إلى المستقبل-تعود -
الجذور التاريخية: من لقاء الرحّل إلى موسم ذي إشعاع دولي إلى سنة 1963، حين اتخذت اللقاءات التي كانت تجمع سكان الصحراء والرحّل صيغة موسم سنوي ذي أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية. وتربط المصادر التعريفية للتراث غير المادي هذا التحول باسم محمد لغظف، الذي ارتبطت ذاكرته بالمقاومة وبالمنطقة، وتوفي سنة 1960 ودُفن بالقرب من طانطان.
قبل أن يصبح الموسم تظاهرة واسعة التنظيم، كانت اللقاءات الصحراوية تؤدي وظائف عملية تتصل بإيقاع الحياة الرعوية: تبادل الأخبار والسلع، وعقد الصلات الاجتماعية، وتنظيم مسابقات الإبل والخيول، والاحتفاء بالمناسبات، والتشاور، وتبادل الخبرات المتعلقة بالبيئة والعيش. وكان الموعد يتيح للجماعات المتنقلة أن تلتقي في زمن ومكان مشتركين، بما يخفف من تباعد المسافات ويجدد الروابط.
لم يكن مسار الموسم خطياً؛ فقد توقفت إقامته بين عامي 1979 و2004، وفق ما تذكره اليونسكو، بسبب الظروف الأمنية التي عرفتها المنطقة. ثم عاد الموسم إلى الواجهة، واستعاد تدريجياً دوره الثقافي والاجتماعي، قبل أن يتوسع في بنيته التنظيمية وبرامجه ويكتسب حضوراً وطنياً ودولياً.
ومن الضروري التمييز بين تاريخ الممارسة والتجمعات التي سبقت تنظيم الموسم، وبين تاريخ تنظيمه في صيغته المعروفة منذ 1963، ثم مرحلة التوقف والعودة. هذا التمييز يمنع الخلط بين الذاكرة التاريخية الطويلة وبين التسلسل الإداري للدورات الحديثة.
إن تاريخ الموسم لا يُختزل في عدد دوراته، بل في قدرته على الاستمرار رغم التحولات التي عرفها نمط العيش الصحراوي، من التنقل إلى الاستقرار النسبي، ومن اقتصاد الرعي والتبادل المحلي إلى اقتصاد أكثر اتصالاً بالمدينة والسياحة والخدمات. وتلك القدرة على التكيف هي أحد أسباب استمرار رمزيته.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس