افي بيلاي.. من مقاومة الفصل العنصري إلى التتويج بجائزة نوبل للسلام 2026

افي بيلاي.. من مقاومة الفصل العنصري إلى التتويج بجائزة نوبل للسلام 2026
متابعة: أحلام ساقي 14 أكتوبر 2026

في تتويج لمسار قضائي وحقوقي امتد لعقود، فازت القاضية الجنوب إفريقية نافانيتيم «نافي» بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام وترسيخ مبادئ القانون الدولي، وإسهاماتها في مكافحة الإفلات من العقاب وضمان مساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وأعلنت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل قرارها يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، مؤكدة أهمية الدور الذي تضطلع به العدالة الدولية في حماية الإنسان وصون السلم العالمي.

ويأتي هذا التتويج في سياق دولي تتزايد فيه التحديات التي تواجه المؤسسات القضائية والآليات الدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان، في ظل استمرار النزاعات المسلحة وتصاعد الجدل بشأن احترام قواعد القانون الدولي ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. ويعيد اختيار بيلاي إلى الواجهة النقاش حول العلاقة بين العدالة والسلام، باعتبار أن تحقيق الاستقرار لا يقتصر على وقف الحروب، بل يتطلب أيضًا إنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار الجرائم.

وُلدت نافي بيلاي سنة 1941 بمدينة ديربان في جنوب إفريقيا، وسط أسرة ذات أصول تاميلية هندية، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي فرض تمييزًا ممنهجًا على السكان غير البيض. وقد أسهمت هذه التجربة في تشكيل مسارها المهني والحقوقي، إذ اختارت القانون مجالًا لمواجهة التمييز والدفاع عن الحقوق والحريات، في مرحلة كانت فيها المساواة أمام القضاء مطلبًا صعب المنال بالنسبة إلى شرائح واسعة من المجتمع الجنوب إفريقي.

وفي سنة 1967، أسست بيلاي مكتبًا للمحاماة في إقليم ناتال، لتصبح أول امرأة تفتح مكتبًا للمحاماة في المنطقة، وكرست عملها للدفاع عن مناهضي الفصل العنصري والمعتقلين السياسيين. كما دافعت عن حقوق السجناء، وساهمت في إبراز الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون في ظل النظام العنصري. وفي سنة 1995، عُيّنت قاضية بالمحكمة العليا في جنوب إفريقيا، لتصبح أول امرأة سوداء تتولى هذا المنصب في البلاد، في محطة عكست التحولات التي عرفتها المؤسسات القضائية بعد نهاية نظام الفصل العنصري.

وانتقل مسارها لاحقًا إلى القضاء الدولي، حيث شغلت منصب قاضية في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، التي أُنشئت لمحاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية التي شهدتها البلاد سنة 1994، والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني. وتولت رئاسة المحكمة بين سنتي 1999 و2003، وأسهمت في تطوير الاجتهاد القضائي الدولي، خصوصًا في ما يتعلق بالعنف الجنسي خلال النزاعات المسلحة والتحريض على الإبادة الجماعية.

وكانت قضية «أكاييسو» من أبرز المحطات في تاريخ العدالة الجنائية الدولية، إذ أصدرت المحكمة سنة 1998 حكمًا تاريخيًا أقر بإمكان اعتبار الاغتصاب والعنف الجنسي من أفعال الإبادة الجماعية متى توافرت الشروط القانونية اللازمة، بما في ذلك القصد الخاص لتدمير جماعة محمية كليًا أو جزئيًا. وشكل هذا الاجتهاد تطورًا مهمًا في الاعتراف بخطورة الجرائم الجنسية المرتكبة في سياق النزاعات، وفي تعزيز حماية الضحايا ومساءلة المسؤولين عنها.

وبين سنتي 2003 و2008، شغلت بيلاي منصب قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، قبل أن تتولى سنة 2008 منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي استمرت فيه إلى غاية 2014. وخلال هذه الفترة، دافعت عن الحقوق الأساسية والمساواة وحماية الفئات المستضعفة، وشددت على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وتعزيز دور المؤسسات الوطنية والدولية في منع التعذيب والتمييز وحماية الحريات.

ولم يقتصر حضورها على القضاء الجنائي الدولي، بل امتد إلى الملفات الحقوقية والسياسية الأكثر حساسية. فقد ترأست، بين سنتي 2021 و2025، لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل. وفي سنة 2025، خلصت اللجنة، في تقرير لها، إلى أن أفعالًا ارتُكبت في قطاع غزة ترقى إلى الإبادة الجماعية، وفق تحليلها للأدلة والمعايير القانونية ذات الصلة. وقد أثارت هذه النتائج ردود فعل وانتقادات إسرائيلية، في حين شددت جهات حقوقية على أهمية التحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها. وتظل الاستنتاجات الواردة في تقارير لجان التحقيق جزءًا من التقييم القانوني والحقوقي، ولا ينبغي الخلط بينها وبين حكم قضائي نهائي صادر عن محكمة مختصة.

كما اضطلعت بيلاي بدور قاضية خاصة في محكمة العدل الدولية ضمن القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى السلطات في ميانمار بحق أقلية الروهينغا. ويعكس هذا المسار استمرار انخراطها في القضايا التي تختبر قدرة المؤسسات الدولية على تطبيق الاتفاقيات القانونية ومساءلة الدول وفق القواعد المعمول بها.

وقد أكدت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل، في إعلانها الرسمي، أن بيلاي أسهمت في الدفع نحو نظام قانوني دولي أكثر شمولًا، وفي تعزيز ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية. ويحمل هذا التتويج دلالة تتجاوز مسارها الشخصي، إذ يسلط الضوء على أهمية استقلال القضاء، ودور المحاكم الدولية في توثيق الجرائم والنظر في المسؤوليات القانونية، وحماية الضحايا من الإفلات من العقاب.

ويأتي منح الجائزة في وقت تواجه فيه المؤسسات الدولية ضغوطًا وانتقادات متزايدة بشأن طريقة تعاملها مع النزاعات وملفات حقوق الإنسان. وقد أعاد الإعلان عن فوز بيلاي إثارة النقاش حول مكانة القانون الدولي في العلاقات بين الدول، وحدود تأثير الاعتبارات السياسية في عمل المؤسسات القضائية، وضرورة حماية استقلالها حتى تتمكن من أداء مهامها بعيدًا عن الضغوط.

فالعدالة الدولية لا تعني تجاهل سيادة الدول، بل تقوم على قواعد واتفاقيات التزمت بها الدول، وعلى آليات قانونية ترمي إلى حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة. كما أن مبدأ المساءلة يظل عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة، لأن تجاهل الانتهاكات قد يكرس الشعور بالظلم ويفتح المجال أمام تكرارها، بينما يسهم توثيقها والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها في دعم فرص المصالحة والسلام المستدام.

وبفوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، تنضم نافي بيلاي إلى قائمة الشخصيات الجنوب إفريقية التي نالت هذا التكريم، من بينها نيلسون مانديلا وديزموند توتو، اللذان ارتبط اسماهما بالنضال ضد الفصل العنصري والدفاع عن الكرامة الإنسانية. ويمنح هذا الامتداد الرمزي للتتويج بعدًا إضافيًا لتجربة بيلاي، التي انتقلت من مواجهة التمييز داخل بلدها إلى مواقع المسؤولية في القضاء الدولي والأمم المتحدة.

وتختزل مسيرتها المهنية تحولات عميقة في مفهوم العدالة، من الدفاع عن المعتقلين السياسيين ومناهضي الفصل العنصري، إلى الإسهام في تطوير القانون الجنائي الدولي، وتولي مسؤوليات أممية مرتبطة بحماية حقوق الإنسان. وهي تجربة تؤكد أن القانون يمكن أن يشكل أداة لمواجهة الانتهاكات، شرط أن تقترن قواعده بإرادة مؤسساتية لتطبيقه، وأن تظل العدالة بعيدة عن الانتقائية.

إن تتويج نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 يضع العدالة الدولية في صلب النقاش بشأن مستقبل السلام العالمي، ويجدد التأكيد على أن حماية الكرامة الإنسانية لا تنفصل عن احترام القانون ومساءلة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة. فحين تصبح العدالة أساسًا للتعامل مع النزاعات، لا مجرد شعار يرفع بعد انتهائها، تتعزز فرص بناء سلام أكثر استدامة، يقوم على الحقوق والمساواة وسيادة القانون.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا