أسلاف بورخيس
أحياناً، نقرأ عملا أدبيا ما، وتعترضنا فيه بعض المسكوكات النثرية، أو بيت من الشعر، أو مقطع من رواية، أو صورة، أو فكرة.. الخ. فنحاول أن نغافل ذاكرتنا المقروئية اليقظة، حتى تتخطى هذا العارض، إلا أنها تأبى عن هذه المغافلة، وتلح علينا إلحاحاً، حتى تنتصر لاعتراضها هذا. ولإرضائها نعود إلى الأصل، وهذا كثيرا ما يحدث معي.
لكن، هذه المرة كان الصواب حليفا لتلك الكثرة الكثيرة.
كان لنا شرف قراءة رواية الكاتب الصيني "تساو شان" (1715-1764) "حُلم الغرفة الحمراء"، التي هي قصة (الحديقة المتشعبة) ذاتها! ويبدو أن بورخيس، كان قد اختار لها هذا العنوان من داخل متن الرواية، سالفة الذكر، وليس هذا فحسب!
بل الرواية، كان قد هدمها وأعاد بناءها، من جديد، لأنه كان يؤمن بأن فكرة قد تطرح في عدة سطور، لا يجب الاطالة والتوسع فيها.. —ولنقرأ، ما كتب في مقدمة قصة: "حديقة الطرق المتشعبة" إن إعادة كتابة الكتب الضخمة والتوسع إلى خمسمائة صفحة بفكرة قد تطرح في عِدّة سطور، لهُو تهور مجهد ومرهق!
موضوع القصة البورخيسية، " الرواية " التي بهرت بورخيس بدءاً منذ هجر تساو شان، حاكم محافظة "نن" الصينية، ليؤلف كتاباً ومتاهة.
نعم هجر مُتعة الطغيان والعدل والحواري والمآدب وحتى الحكمة وحبس نفسه ثلاث عشرة سنة في بيت الوحدة الصافية. وبعد وفاته لم يجد ورثته إلا مخطوطات فوضوية.
وأرادت الأسرة - كما قد لا تجهل -أن تلقي بها في النار لكن منفد الوصية - وهو راهب "طاوي، أو بوذي" أصر على نشرها.
كانت الرواية نفسها، هو الذي عكف على كتابتها مدة ثلاثة عشر عاماً، هذه الرواية التي أطرها بورخيس بحكاية جندي هارب، ليستقر به هروبه إلى بيت "تساو شان " في حديقة متشعبة الطرق، وفي محاورة له مع قاطن البيت الجديد، تُسرَد الرواية التي هي القصة نفسها ومع المعطيات التي يسردها ساكن البيت، عن حياة " تساو شان " وسبب تخليه عن الحكم وكل متع الدنيا ليؤلف هذا العمل ويبني متاهة، فلم يعثر بعد موت " تساو شان "سوى على الكتاب أما المتاهة سيحل لغزها بورخيس بقوله :(...بل متاهة من الرموز متاهة زمن خفية. لقد قدر لي أنا الانجليزي الهمجي- أن أنيط اللثام عن هذا السر الأغر، بعد انقضاء مائة عام.)
وفي قصة "حجر الفلاسفة" نجد بورخيس قد رجع مع الأدب الصيني إلى القرن العاشر والسابع عشر، ليهدم قصة (صانع الذهب والغانية) وهي لمؤلف مجهول يعود إلى القرنين المومأ إليهما، ومن حسن الحظ عثوري على هذا النص لتكتمل الصورة عندي عن أسلاف بورخيس وهو نفسه لا يخفي هذا!
إنه يجهر به: (ليس من قبيل الصدفة أن أكون حفيداً "لتسوى بن " حاكم "يونن " الذي تنازل عن الحكم الزائل ليكتب رواية تكون أشد ازدحاما من" هنج لومنج. )
وكما سبق في اختصار كل شيء، حتى أنه أختصر مكتبة بابل في قصة: (فتلك المكتبة اللانهائية قد جرى اختصارها إلى مجلد وحيد بأوراق قليلة السُّمك إلى ما لانهاية، وقد أشار إلى ذلك في "كتاب الرمل" في نهاية قصة مكتبة بابل.
في مفتتح قصة (صانع الذهب والغانية) نقرأ:
" بالرغم من أن ثيابهم مهلهلة لاتقيهم البرد. فانهم يؤكدون لك أنهم يبدلون كل المعادن الخسيسة إلى ذهب!
يبقى بورخيس صانع المتعة وفن الحكي بمهارة أسلوبه وعبارته الصافية، وكنموذج لذلك نقرأ "قصة الخرائب "التي في مطلعها كأنها قصيدة نثرية: مفتتح من قصة " خرائب دائرية " لبورخيس كأنها قصيدة: ) لم يلمحه أحدٌ وافداً في الليلِ البَهيم. لم يلمحَ أحدٌ خَفّافَه القَصَبَ وهو يغوصُ في الطينِ القدسيّ؛ ولكنْ بمضيّ أيامٍ معدودة ما كان أحدٌ يجهل أنّ الرجلَ الصّامتَ قَدِمَ إليهم من الجنوب وأنّ مسقط رأسه إحدى القرى التي لا تُحصى ولأتعد الرّابضة صوبَ منبع النهر على السفح المنحدِر بشدّة للجبل حيث اللغة الزاندية لم تلوّثها بعدُ مفردات اليونانية وحيث الجذامُ لم يغدُ مرضاً سارياً. (
وإن كان يغترف من أذاب أخرى، وله مصادر عدة، كقصة (القرص) في كتاب الرمل التي تحكي حكاية حطاب من ساكسونيا القديمة مع قرص سحري امتلكه ثم ضيعه... التي تتقاطع مع قصيدة الشاعر الهندي طاغور يقرر رجل البحث عن حجر الفلاسفة يشد على بطنه حزام من حديد.. الى آخر القصة مع فقدان حجر الفلاسفة.
يقر بورخيس:( هل تظن أنني لم أقرأ أي تي تشنغ، وتاو تي تشينغ، و(حلم الغرفة الحمراء)؟ هل تظن أنني لا أعرف الكتب التاوية والبوذية المقدسة أو (سور الصين العظيم) لكافكا، أو أفعال ابن السماء شبه هوانغ تي، حارق الكتب؟ هل تتخيل أنني لم أدرس المتاهة اللامتناهية لقصر الإمبراطور الأصفر.
إن بورخيس عكس كافكا الذي بقي مخلصا لأسلوبه والذي يخفي أسلوب أسلافه، ومصادره، إنه يمحي
ويردم بإحكام أثرهم، لكي يضلل من أراد أن يقتفي أثره، ولنا عودة في هذا الموضوع. مع أسلاف كافكا، وإن كان بورخيس واحد من الشهود على أسلاف كافكا.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس