كاتبُ العرائض
في غبش الصباح، تقعُ عيناكَ فجأةً على نملة صغيرة جدا. فَترى هذا الذي بالَغَ في حجمها. حتّى تنحسر في عينيكَ صرخة يأس خرساء. ويصم أذنيك صخب أزيز حشرات الحصاد، التي ملأت الدّنيا طنيناً. تتزاحمُ الأسئلة في ذِهنكَ. هل هذه السّاحة خالية من الأشجار الباسقة، والعشب الأخضر؟
لا عجب، إذن، في أن يتقمص الصمت النطق، والنطق الصمت.
صامتاً، تقف لتؤديَ نوبتك في الحراسة. تقف أمام هذا البياض.. بياض الحائط.
تروحُ وتجيء كل صباح، والنّملة لا تبرح مكانها، تظل جاثمة فوق صدر الحائط.
تبدُو لكَ في مظهرها الخارجي ميتة، أو هي مجرد رسمة رُسِمتْ بالصدفة وأُهمِلتْ هُناك.
بدافع من الفضول، تمد إصبعك إليها، لتتأكد من أنها حيّة، وليستْ ميتة، تفاجئك بتحركها، وهي تدّب هاربة، ومسرعة في مشيتها، وترغمك على الصراخ، فتصرخ متعجباً، واه.. واه!
خطوة خطوة، استكشفتَ حكمتها التي تجعلكَ على الأقل، تتزحزح مِن مكانكَ -قيد أنملة- وتغير وضعك لكي تحمل البندقية بيد، وبالأخرى شرخ عويد صغير (لك أن تتخيل إبر أشّواك الورود) كانتْ كلّما طالَ مُكوثها واقفة تشكها في مؤخرتها بإحدى الإبر، فتراها تنكمش على ذاتها أولا ثم تنطلق تعدو هاربةً صعودا نحوَ ارتفاع الجدار.
كانت مواظبة على الحضور.. حُضورها الذي يؤنس وحدتكَ، أثناء أوقاتِ الحراسة لقد جعلتكَ تتعوّد على رُؤيتِها، حتّى بدَا لكَ الأمر، هي من تقوم بحراستها.
لقد مَجْدتَ هذا الاكتشاف في نفسكَ، وتمردكَ على الأوامر الصّارمة، إلزم مكانكَ، مفهوم؟
تهز رأسكَ بالإيجاب، عنوّة، للصوت الآمر.
منذ الاكتشاف المُمَجد بالتحرر، وأنْتَ ترقب وتراقب حركات وسكنات النملة.
نَعم، لقد جعلتكَ تنسى تعب الوقوف أثناء الحراسة، ومددها الطويلة، كل ذلك، في مواجهة الحائط الذي امتصَ جزءاً كبيراً، من حياتكَ وصحتكَ، دونَ أنْ تتعرف على ماخلفه أو، تصل إلى ما هو جوهري، وحقيقيّ وراءه؟
ذات صباح باكر، كُنْتَ تَجُول ببصرِكَ، بَاحثاً عن النّملة. لَفَتَ انتباهكَ ذرات غبار عالقة بالحائط، ولم تعهده من قبل، لأن بياضه ونظافته، هي أشبه بنظافة قمصان الرهبان، النّاصعة البياض. تأكدت بأن الذرات قد لوثتْ بياضه، ونظافته.
لم تعد ملاحظتكَ، عابرة، بل هي أشد ما تكون في التدقيق، والتّحقق من الأشياءِ المتناهيةِ الصغر جدا. خصوصا، أثناء نَوْبة حراستك. كنْتَ تلتزم بتلك الوصايا، التّي يتردد صدَاها في قفص صدركَ:
إلزم مكانكَ، مفهوم؟
تهز رأسكَ بالإيجاب، عنوة، فقط.
هل فطنوا أهل العقد والحلّ، بتسليتكَ مع النّملة، التي جعلتها لُعْبَتُكَ المُسلية، والمفضلة، أثناء حراستك؟
كُنْتَ تقف طوال النهار مثل شجرة، انتزعُوها من حقلها، وغرسُوها في حقل آخر، تربتهُ غير تُرْبَتِهَا.
جاءوا بكَ من مدن الخيال القصية، كواحد من العسس، شغلكَ الوحيد هو حراسة هذا الحائط، بالتناوب مع زميلكَ الجنُوبي. منَحوكما بندقية واحدة، تتبادلانها بالتناوب، عند كل حصة من حصص الحراسة بينكما.
هل تفشي سِّرّ النملة لزميلك الجنوبي؟
ومَا أدراكَ؟ قد تكون روحٌ هائمةً ومعذبةً لأحد هؤلاء الراغبين في تجاوز الحائط، وقد تحوّلت إلى نملة؟
ذات صبيحة خريفية على غير عادة أصباح أخرتم تغيير مكانكَ، إلى مكانٍ آخر، أي بعيدا عن مُحيط النّملة، كان هذا أمر، رُبّما، صادر مِنْ كَاتبِ العرائض، المدافع عن زبائنه في كلّ القضايا المختلفة!
فجأةً، سمِعتَ الصوت الآمر، المعتاد، يهادنكَ، بالكلمات المهادنة: مكانك هذا، هو الأنسب إليك، من ذاك المتهور، ولاأعرف من هو المقصود، لأن المسافة بيننا نحن الحُراس، لاتسمح لنا بالتعرف، على بعضنا البعض، إلا من خلال زينا الموّحد فقط.
ألِفْتَ المكان الجديد، لأن الأُلفة يُفرضها بياض الحائط.
عنْد ذاك، تساءلتَ بيْنكَ وبَيْن نفسكَ: هلْ سَتُوّاتِيك الفرصة لرؤية النّملة مرّة أخرى؟
يا للمفاجأة، المبهجة!
لقد وجدت النملة في انتظاركَ، وإن كُنْتَ قد نسيتَ أمرها، والذي أنساكَ إياهَا حقاً، امتثالكَ للأوامر الصارمة.
كنتَ تشفق على حالها، الذي أتعبها من المحاولات اليائسة، والفاشلة، وهي تحاول تسلق الحائط لأكثر من مرّة، في تحدّ علوه، وتحقيق رغبتها الملّحة في تجاوزه، والتطلع إلى ما خلفه، إلا أنها لم تصل، سوى إلى ظلّه المرتفع، الذي تتكسر عليه، فتعود على أعقابها خائبة. فتنسى أنها جزء من ظل الجدار.. كُنْتَ تتخيل لحظتها، الحائط "واقع"، وماخلفه "خيال".
تحسرت كثيرا عن اكتمال حلمكَ، الذي رأيت فيه، رجلاً بجسد طويل جدأ، شديد النّحافة، له وجه نملة، ولجبينه قرنا استشعار، اعترض سبيلك، بل صدّك عن تجاوز الحائط، شريطة أن تدلي له بكلمة السّرّ، أو، الكلمة المفتاح.
همستَ له بفرح طفولي (الخيال مفتاح الأبواب المغلقة).. انحنى إليك انحناءة اعتراف واحترام، ثم مدّ يده نحوك، وجعل أصابعه الرقيقة والطويلة جدا، تتحرك بحركات خفيفة، كإشارة منه لطلب المزيد.. فهمت قصده، فواصلت اقتناعه: (الخيال يتوق إلى ما هو موجود في قلب الجدار، أو ما وراءه.) أدار لك ظهره، وتلاشى تماماً، وانفتح أمامك مدى أكثر بياضا، حتّى تجلتْ لكَ الرؤية واضحة.. كان كاتب العرائض، تحت سقيفة ظليلة، مادّاً رجليه النحيفتين إلى الأمام، في وضع هانئ. تُقلّم جسده خطوط وظلال، حتى أصبح جسده مخططا مثل حمار وحشي.
أما بقية الحشد الغفير من آل الخيال، الذين تقف الشمس الحارقة فوق رؤوسهم، فقد اكتفوا بالوقوف خارج السقيفة. تصاعد الهمس، بمجيئك، ووقفت إلى جانب الرجلين الأولين، كان بمستطاعك رؤية ببغاء متعدد الألوان، يقف فوق كتف كاتب العرائض، راقتك لعبتهما المتقنة، بحيث تتحرك رجلي الببغاء، وفق تحرك عَظْمَ كتف مربيه. ترويض باهر، حرّك فيك السؤال المؤرق، ما هو اللون الأصلي لهذا الببغاء. ألا يبدو في ألوانه المتعددة، مثل الذين يلبسون لكل شيء لبوسه؟
جاءكَ إيذاناً بالجلوس، فجلست إزاء صاحب العوينات الطبية، الذي همس في أذنك، أنا الروح الهائمة التي تحولت إلى نملة وأتعبك ملاحقتها.. انفتح فمك من تلقاء نفسه، ثم انغلق بشكل مفاجئ، من شدّة الدّهشة التي.. انقطع عنك خيط الحلم. فجأة.. استيقظتَ من نومك فزعاً.. تفقدت عشاءك البائت الذي لم تمسسه من ليلة البارحة، جراء التعب والعياء.. لفتَ انتباهك جيش من نمل صغير جدا، يتسلق آنية العدس، التي احتلها بالكامل، و لم تعد عيناك تميز، ما بين حبات العدس ورؤوس النمل.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس