تركيب أجنحة الصقر على جسم الجرادة! .... هل البوليساريو دولة؟
تُعد قضية الصحراء المغربية من أبرز النزاعات الإقليمية التي تبلورت ملامحها خلال سبعينيات القرن الماضي، في سياق سياسي مضطرب تداخلت فيه اعتبارات التحرر مع حسابات الحرب الباردة والتجاذبات الإقليمية. ففي تلك المرحلة، برزت مجموعات من الشباب المنحدرين من جنوب المملكة، خاصة من مدينة طانطان، متأثرة بخطابات ثورية سائدة آنذاك، قبل أن تجد نفسها منخرطة في مشروع أكبر من قدرتها وإمكاناتها.
وسرعان ما تحولت هذه البدايات المحدودة إلى ورقة ضمن توازنات إقليمية، حيث تبنتها أطراف خارجية، من بينها أجهزة المخابرات في الجزائر وليبيا بقيادة معمر القذافي وبخروبة الجزائر، وقدمت لها أشكالا متعددة من الدعم السياسي والعسكري والإعلامي، في سياق سعي هذه الأطراف إلى توظيف الملف ضمن حسابات النفوذ في المنطقة.
وفي هذا الإطار، تم الدفع نحو إعلان كيان أطلق عليه اسم "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية" فوق أراضٍ تقع في منطقة تندوف داخل التراب الجزائري، في محاولة لإضفاء صفة الدولة على مشروع ظل منذ بدايته محل جدل واسع، سواء من حيث ظروف التأسيس أو من حيث مدى توفره على مقومات الدولة المعترف بها.
غير أن هذا المسار ظل مثار تساؤلات عميقة، بالنظر إلى تعقيداته السياسية والتاريخية، حيث لا يتعلق الأمر بمجرد إعلان كيان سياسي، بل بملف متشابك تتداخل فيه رهانات السيادة والهوية والتنمية، إلى جانب تأثير الفاعلين الإقليميين والدوليين في توجيه مساره.
وفي هذا السياق، تبرز استعارة "تركيب أجنحة الصقر على جسم الجرادة" كتعبير عن التناقض بين الشكل والمضمون والواقع والخيال، إذ يعكس هذا التشبيه محاولة إضفاء مظهر الدولة على كيان معاق يواجه تحديات بنيوية تتعلق بأسس وجوده واستمراريته.
فالدولة، في معناها الدستوري والقانوني، تقوم على عناصر أساسية تتمثل في الشعب والأرض والسيادة، وهي شروط تظل محل نقاش في هذه الحالة، بالنظر إلى غياب سيطرة فعلية مستقلة على المجال الترابي، وتعقيد مسألة التمثيل، وارتباط القرار بسياقات إقليمية أوسع.
وقد أدى هذا الوضع إلى بروز هياكل تنظيمية تحاكي مؤسسات الدولة من حيث الشكل، مثل الرئاسة والوزارات والولايات والدوائر...إلخ، غير أن هذه البنيات تبقى، تعبيرا عن محاولة يائسة لتنظيم سياسي أكثر منها تجسيدا لدولة مكتملة الأركان.
وتفاقم هذا المسار مع اندلاع نزاع مسلح دام لسنوات، خلف آثارا إنسانية عميقة، خاصة معاناة اللاجئات بمخيمات تندوف، حيث استمرت معاناة فئات واسعة من الصحراويين في ظروف صعبة، ما جعل البعد الإنساني أحد أبرز أوجه هذا الملف.
في المقابل، يظل المجتمع الصحراوي مكونا أساسيا في هذه المعادلة، بما يحمله من امتداد تاريخي واجتماعي داخل المملكة المغربية، وهو ما يعكس تعقيد القضية وتشابكها، ويبرز الحاجة إلى مقاربة واقعية تأخذ بعين الاعتبار مصالح السكان المعنيين.
واليوم، يبرز خيار الحل السياسي كأفق عملي، من خلال مبادرة الحكم الذاتي التي تحظى بدعم داخل مجلس الأمن الدولي، مع دعوات متواصلة للانخراط في مسار تفاوضي جاد، بما يضمن تسوية تحفظ الكرامة وتحقق الاستقرار وتضع حدا لنزاع مفتعل، طال أمده.
وفي الخلاصة، فإن الاستمرار في ترديد الكذبة حتى تصديقها لا يغير من حقيقة الواقع شيئا، بل يطيل أمد المعاناة ويؤجل الحل. إن من يصر على هذا المسار مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحلي بروح المسؤولية، وركوب قطار السلام والمفاوضات، رحمة بالصحراويين الذين يعيشون منذ ما يقارب نصف قرن في وضع إنساني صعب. لقد آن الأوان لوقف المتاجرة بمآسي الأبرياء، وفتح المجال أمام المجتمع الصحراوي لتدبير شؤونه في إطار يضمن الكرامة والاستقرار.
وهنا تتجلى دلالة العنوان: تركيب أجنحة الصقر على جسم الجرادة...! هل جبهة البوليساريو دولة؟ سؤال لا يهدف إلى الجدل بقدر ما يدعو إلى مواجهة الحقيقة، بأن الأوهام لا تصنع دولا، وأن المستقبل يُبنى بالواقعية والتوافق، لا بالاستمرار في مشاريع أثبت الزمن محدوديتها.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس