البوليساريو.. 53 سنة من الشعارات والخيبات
منذ يوم الخميس الأسود 10 ماي 1973، تاريخ ما يسمى بالمؤتمر الأول لجبهة البوليساريو، دخل بعض الشباب الصحراوي الطائش في مشروع بني على الشعارات الثورية والصدامية أكثر مما بُني على الواقعية السياسية. مجموعة من الشباب القادمين أساسا من مدن طانطان وكليميم ومناطق أخرى، وجدت نفسها في قلب حسابات إقليمية معقدة، لتلتقطها المخابرات الجزائرية وتحوّلها تدريجيا إلى أداة لخدمة مشروع إقليمي قائم على استنزاف المغرب وإطالة أمد النزاع. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت مسرحية المؤتمرات والشعارات الرنانة التي دغدغت مشاعر الأبرياء من الصحراويين، ووعدتهم بالتحرير السريع، فإذا بالنتيجة بعد 53 سنة ليست سوى المخيمات، والمعاناة، والانقسام، والانتظار.
لقد تأسس "المشروع" منذ البداية على منطق العنف والسلاح، وليس على منطق التنمية أو الحلول الواقعية. ففي المؤتمر الأول رُفع شعار: «بالبندقية ننال الحرية»، وكأن البندقية وحدها قادرة على صناعة المستقبل. ومع مرور السنوات، استمرت القيادة نفسها في ضخ خطاب الحرب والتحريض والتصعيد، دون أي مراجعة حقيقية للفشل السياسي والدبلوماسي الذي راكمته. وعندما وصلنا إلى المؤتمر السادس عشر، الذي اختُتم يوم الأحد 22 يناير 2023، وجدنا الشعار نفسه يعود بثوب أكثر حدة: «تصعيد القتال لطرد الاحتلال واستكمال السيادة»، وكأن نصف قرن من المعاناة لم يكن كافيا لاستخلاص الدروس.
إن المتتبع لهذه الشعارات يكتشف بسهولة العقلية التي حكمت قيادة البوليساريو منذ نشأتها، وهي عقلية قائمة على الصدام والتعبئة العاطفية وتغذية الكراهية، تحت التأثير المباشر للجزائر التي وجدت في هذا الملف وسيلة لإدامة التوتر الإقليمي. فبدل بناء الإنسان الصحراوي وخلق أفق للتنمية والاستقرار، تم تحويل آلاف الأسر إلى رهائن داخل المخيمات، وتم شحن أجيال كاملة بخطاب الحرب والكراهية والقطيعة، بينما كان العالم يتجه نحو الواقعية السياسية والشراكات الاقتصادية والحلول السلمية.
والنتيجة اليوم واضحة للجميع: لا دولة قامت، ولا "تحرير" تحقق، ولا شعارات المؤتمرات صنعت مستقبلا أفضل للصحراويين. بل إن المخيمات أصبحت تعيش على وقع الإحباط واليأس والخوف من المجهول، وتحول الخطاب من "التحرير" إلى الحديث عن "القصف" والحرب والتهديدات، وهو ما يكشف النهاية الحقيقية لمسار بدأ بالشعارات وانتهى بالأزمات الإنسانية والسياسية.
ولمن يريد أن يفهم الخلفية الفكرية والعنيفة التي حكمت قيادة البوليساريو طيلة 53 سنة، يكفي أن يقرأ شعارات مؤتمراتها المتعاقبة:
المؤتمر 1 : «بالبندقية ننال الحرية»
المؤتمر 2 : «حرب التحرير تضمنها الجماهير»
المؤتمر 3 : «لا استقرار ولا سلام قبل العودة والاستقلال التام»
المؤتمر 4 : «كفاح مستمر لفرض الاستقلال الوطني والسلم»
المؤتمر 5 : «كل الوطن أو الشهادة»
المؤتمر 6 : «كل الوطن أو الشهادة»
المؤتمر 7 : «كفاح والتحام من أجل الاستقلال الوطني والسلام»
المؤتمر 8 : «تجنيد كل الطاقات الوطنية لربح المعركة المصيرية»
المؤتمر 9 : «الاستقلال سلما أو بالقتال»
المؤتمر 10 : «كفاح والتحام لفرض الاستقلال الوطني والسلام»
المؤتمر 11 : «كفاح والتحام لنيل الاستقلال والسلام»
المؤتمر 12 : «كفاح شامل لفرض السيادة والاستقلال الكامل»
المؤتمر 13 : «الدولة الصحراوية المستقلة هي الحل»
المؤتمر 14 : «قوة، تصميم وإرادة لفرض الاستقلال والسيادة»
المؤتمر الاستثنائي : «قوة، تصميم وإرادة لفرض الاستقلال والسيادة»
المؤتمر 15 : «كفاح، صمود، تضحية لاستكمال سيادة الدولة الصحراوية»
المؤتمر 16 : «تصعيد القتال لطرد الاحتلال واستكمال السيادة»
بعد كل هذه العقود من الشعارات النارية، لم يبق أمام قيادة البوليساريو، إذا كانت فعلا تبحث عن مصلحة الصحراويين، سوى القبول بمنطق الواقعية السياسية والانخراط في حل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والدخول في مفاوضات جادة تحت رعاية الأمم المتحدة وبدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الشعارات لم تُنتج سوى الوهم، أما الاستقرار والتنمية فهما الطريق الحقيقي لمستقبل الصحراويين.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس