حدث في مثل هذا اليوم.: ابن بطوطة يغادر طنجة في رحلة صنعت مجد المغرب وألهمت العالم
في مثل هذا اليوم، 13 يونيو 1325، انطلقت من مدينة طنجة واحدة من أعظم الرحلات في تاريخ الإنسانية، حين غادر الرحالة المغربي محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف تاريخياً باسم ابن بطوطة، مسقط رأسه متوجهاً إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، دون أن يدرك أن رحلته ستتحول إلى ملحمة استكشافية غير مسبوقة، ستخلد اسمه كأحد أعظم الرحالة الذين عرفهم التاريخ.
كان محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، الذي لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره آنذاك، يعتزم أداء فريضة الحج، غير أن شغفه بالمعرفة واكتشاف الشعوب والثقافات قاده إلى مواصلة السفر سنوات طويلة، متنقلاً بين أرجاء العالم القديم، في رحلة استمرت قرابة ثلاثين عاماً، ليصبح أحد أبرز رموز الاستكشاف والجغرافيا في التاريخ.
ويُعد محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة، من أبرز الشخصيات المغربية التي خلدها التاريخ، إذ وُلد بمدينة طنجة سنة 1304م ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والقضاء وفق المذهب المالكي، فتلقى تكويناً في الفقه والعلوم الشرعية أهّله للعمل قاضياً في عدد من البلدان التي زارها خلال رحلاته. ولم يكن ابن بطوطة مجرد رحالة، بل كان فقيهاً وقاضياً ومؤرخاً، جمع بين حب المعرفة وروح المغامرة، ووثق في رحلاته أحوال الممالك والشعوب وعاداتها وأنظمتها السياسية والقضائية والاقتصادية، ليصبح كتابه مرجعاً تاريخياً وجغرافياً فريداً يوثق جانباً مهماً من تاريخ العالم في القرن الرابع عشر.
وخلال أسفاره، قطع ما يناهز 120 ألف كيلومتر، وهو رقم استثنائي بمقاييس القرن الرابع عشر، وزار أكثر من 40 بلداً امتدت من شمال وغرب إفريقيا إلى المشرق العربي، مروراً ببلاد فارس والهند وجزر المالديف والصين وآسيا الوسطى، وصولاً إلى الأندلس وإفريقيا جنوب الصحراء.
ولم تقتصر أهمية رحلة ابن بطوطة على المسافات التي قطعها، بل تجلت أيضاً في القيمة العلمية والتاريخية لما دوّنه من مشاهدات دقيقة حول المجتمعات التي زارها، وأنظمتها السياسية والقضائية، وعاداتها وتقاليدها، وأحوالها الاقتصادية والاجتماعية. وقد جُمعت هذه المشاهدات في مؤلفه الشهير «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، الذي يُعد من أهم المراجع في تاريخ الجغرافيا والرحلات، ولا يزال إلى اليوم مصدراً أساسياً للباحثين والمؤرخين.
ويجمع المؤرخون على أن ابن بطوطة يُعد من أعظم الرحالة في تاريخ الإنسانية، إذ تجاوزت رحلاته من حيث المسافة والمدة ما حققه عدد من أشهر المستكشفين في العصور الوسطى، وأسهمت كتاباته في تعريف العالم الإسلامي وأوروبا ببلدان وثقافات وشعوب لم تكن معروفة على نطاق واسع في ذلك الزمن.
وبعد مرور أكثر من سبعة قرون، لا يزال اسم محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة، حاضراً في الذاكرة العالمية، حيث تحمل اسمه مطارات ومؤسسات ثقافية وأكاديمية في عدد من الدول، كما تُرجمت رحلاته إلى عشرات اللغات، لتظل شاهداً على إسهام المغرب في مسيرة المعرفة الإنسانية، وعلى المكانة التي بلغها المغاربة في ميادين العلم والاستكشاف.
ويبقى 13 يونيو 1325 تاريخاً خالداً في سجل المغرب، إذ يمثل بداية رحلة استثنائية انطلقت من طنجة لتجوب العالم، وتُخلّد اسم صاحبها كواحد من أعظم الرحالة في التاريخ، ولتؤكد أن المغرب كان، منذ قرون، منارة للعلم، ومنطلقاً لرجال تركوا بصماتهم في الحضارة الإنسانية.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس