أول امتحان برلماني… الأغلبية تجمع الأصوات والمعارضة تفرّقها

أول امتحان برلماني… الأغلبية تجمع الأصوات والمعارضة تفرّقها
بقلم: بوشعيب حمراوي 15 أكتوبر 2026

لم يكن انتخاب رئيس مجلس النواب، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، مجرد عملية تصويت لاختيار من سيجلس على كرسي رئاسة المؤسسة التشريعية. فقد كان أول امتحان سياسي وعملي للأغلبية الحكومية الجديدة، وأول اختبار لمدى استعداد أحزاب المعارضة للتنسيق فيما بينها، وأول مناسبة لاختبار معنى المساندة النقدية وحدودها.

فبينما نجحت الأغلبية في جمع 220 صوتًا لمرشحها أحمد التويزي، لم تتمكن المعارضة من الاتفاق على مرشح واحد، واختار التجمع الوطني للأحرار الورقة البيضاء، بينما تقدم العدالة والتنمية بمرشحه إدريس الأزمي، واحتج تحالف اليسار على طريقة احتساب الامتناع.

لكن هذه المحطة تطرح أسئلة تتجاوز نتائج التصويت: هل تستطيع أحزاب الأغلبية المختلفة مرجعيًا وبرنامجيًا أن تشتغل داخل حكومة واحدة؟ وهل تستطيع المعارضة توحيد جهودها الرقابية؟ أم أننا أمام أغلبية تجمعها السلطة، ومعارضات قد تتنافس فيما بينها أكثر مما تتنافس مع الحكومة؟

أغلبية من 207 إلى 210 مقاعد… العدد لا يصنع الانسجام

تشكلت الأغلبية الحكومية من أربعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة بـ 97 مقعدًا، والاستقلال بـ 65، والاتحاد الاشتراكي بـ 26، والتقدم والاشتراكية ب 19؛ أي 207 مقاعد.

لكن التقدم والاشتراكية عزز فريقه البرلماني بانضمام ثلاث نائبات منتخبات باسم جبهة القوى الديمقراطية والديمقراطيين الجدد، فأصبح الفريق يضم 22 عضوًا، وارتفع مجموع المقاعد المحسوبة على الأغلبية إلى 210.

وبذلك تتجاوز الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدًا باثني عشر مقعدًا.

غير أن النائبات الثلاث احتفظن بانتماءاتهن الحزبية، مما يجعل التنسيق داخل الفريق المشترك مسؤولية إضافية.

فالعدد يمنح التحالف إمكانية الحكم، لكنه لا يضمن تلقائيًا الانسجام في المواقف والقرارات.

أربع مرجعيات… واختلافات قد تنتقل إلى الحكومة

ينطلق الأصالة والمعاصرة من توجه حداثي واجتماعي وبراغماتي يعطي أهمية للاستثمار وتحفيز الاقتصاد.

أما الاستقلال فيستند إلى المرجعية الوطنية التعادلية، مع اهتمام خاص بالأسرة والقيم والطبقة الوسطى والسيادة الاقتصادية.

ويتبنى الاتحاد الاشتراكي مرجعية اشتراكية ديمقراطية، تدافع عن العدالة الضريبية والحريات والخدمات العمومية.

بينما يستند التقدم والاشتراكية إلى مرجعية اشتراكية تقدمية ذات جذور شيوعية، تجعل إعادة توزيع الثروة وتقوية تدخل الدولة وتقليص الفوارق من أولوياتها.

هذه المرجعيات تتلاقى في الأهداف الاجتماعية والتنموية، لكنها قد تختلف حول وسائل تحقيقها.

فهل الأولوية لتخفيض الضرائب وتحفيز الاستثمار، أم لتعبئة موارد إضافية لإعادة توزيع الثروة؟ وما حجم تدخل الدولة في الاقتصاد؟ وكيف ستُدبر الاختلافات حول بعض القضايا المجتمعية؟

إنها أسئلة لن يحسمها بيان التحالف، بل القرارات الحكومية المقبلة.

 

مليون منصب شغل… الوعد نفسه والتصورات مختلفة

دخلت الأحزاب الأربعة الانتخابات ببرامج مستقلة، وتعهد كل منها أمام ناخبيه بتنفيذ التزامات محددة.

فالأصالة والمعاصرة وعد بإحداث مليون منصب شغل صافٍ، ضمن برنامج تبلغ كلفته الإضافية التقديرية 350 مليار درهم خلال خمس سنوات.

والتقدم والاشتراكية تعهد بدوره بالسعي لإحداث مليون منصب شغل صافٍ، إلى جانب الدفاع عن إعادة توزيع الثروة وتقوية الخدمات العمومية.

أما الاستقلال، فركز على حماية الأسرة وتقوية الطبقة الوسطى والسيادة الاقتصادية، بينما جعل الاتحاد الاشتراكي العدالة الضريبية والتشغيل والحريات والمرافق العمومية من أولوياته.

والمفارقة أن التجمع الوطني للأحرار، الذي انتقل إلى المعارضة، تعهد هو الآخر بإحداث مليون منصب شغل.

وهنا تبرز الإشكالية: كيف ستُترجم هذه الوعود إلى برنامج حكومي واحد؟

هل ستحتفظ الحكومة بهدف المليون منصب شغل؟ وكيف ستحدد القطاعات والتمويل والآجال؟ وهل ستتبنى الإجراءات المتعلقة بإعادة توزيع الثروة والعدالة الضريبية؟

إن الحكومة المقبلة ستحتاج عمليًا إلى صياغة برنامج خامس من البرامج الأربعة، دون أن تضيع المسؤولية السياسية عن الوعود الانتخابية.

وهذا أحد امتحانات رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري: تحقيق الانسجام دون تحويل الوزارات إلى مجالات نفوذ حزبية منفصلة.

المعارضة… مرجعيات لا يجمعها سوى الموقع البرلماني؟

إذا كانت الأغلبية تضم مرجعيات مختلفة، فإن المعارضة أكثر تباينًا.

فالتجمع الوطني للأحرار، بـ 66 مقعدًا، يحمل توجهًا ليبراليًا اقتصاديًا، والعدالة والتنمية، بـ 54 مقعدًا، ينطلق من مرجعية إسلامية محافظة.

أما الحركة الشعبية، بـ 29 مقعدًا، فتجمع توجهات حركية وطنية وليبرالية اجتماعية ومحافظة، بينما يتبنى تحالف اليسار، بـ 8 مقاعد، مرجعية يسارية تقدمية.

قد تتفق هذه الأحزاب على مراقبة الحكومة في التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، لكنها قد تختلف حول الإصلاحات الضريبية والاقتصادية والمجتمعية.

بل يمكن أن يصوت حزب معارض لصالح مشروع حكومي يرفضه حزب آخر من المعارضة.

وهذا يطرح سؤالًا: هل سنشهد معارضة منسقة، أم معارضات مستقلة، وربما معارضة تعارض معارضة؟

أول اقتراع… ثلاث رسائل مختلفة من المعارضة

قدمت انتخابات رئاسة مجلس النواب أول مؤشر على صعوبة التنسيق.

فالعدالة والتنمية اختار المنافسة، ورشح إدريس الأزمي.

والتجمع الوطني للأحرار اختار، وفق ما أعلنته مصادر فريقه البرلماني، التصويت بالورقة البيضاء، وعدم مساندة أي من المرشحين.

أما تحالف اليسار، فقد احتج على عدم تسجيل موقف الامتناع بالصورة التي طالب بها، وانسحب أعضاؤه من الجلسة بعد إعلان النتائج.

إنها ثلاثة مواقف سياسية مختلفة داخل المعارضة.

ويمكن قراءة موقف الأحرار باعتباره تعبيرًا عن استقلالية قرارهم عن الأغلبية وعن العدالة والتنمية في آن واحد، دون الجزم بدوافع أخرى.

لكن السؤال يبقى: إذا تعذر الاتفاق في أول محطة برلمانية، فكيف سيكون التنسيق حول رئاسات اللجان والمبادرات التشريعية والرقابية؟

 

220 صوتًا لتويزي و59 للأزمي… ماذا تقول الأرقام؟

شارك في الاقتراع 369 نائبًا من أصل 395.

وحصل أحمد التويزي على 220 صوتًا، مقابل 59 لإدريس الأزمي، بينما بلغ عدد الأوراق الملغاة 90 ورقة، أي حوالي 24.4 في المائة من مجموع الأوراق المدلى بها.

حصل التويزي على عشرة أصوات أكثر من مجموع المقاعد المحسوبة على الأغلبية، بينما حصل الأزمي على خمسة أصوات أكثر من مقاعد حزبه.

وهذا يعني وجود أصوات داعمة للمرشحين من خارج كتلتيهما، دون أن نعرف مصدرها بسبب سرية الاقتراع.

أما الأوراق التسعون، فقد تضم الأوراق البيضاء وأوراقًا أُلغيت لأسباب أخرى، ولذلك لا يجوز اعتبارها كلها احتجاجًا سياسيًا أو نسبتها بالكامل إلى حزب معين.

لكن حجمها، إلى جانب اختلاف خيارات المعارضة، يجعلها عنصرًا مهمًا في قراءة أول اختبار برلماني.

المساندة النقدية… أين اختفت 15 صوتًا افتراضيًا؟

اختار الاتحاد الدستوري، بـ 17 مقعدًا، والحركة الديمقراطية الاجتماعية، بثمانية مقاعد، موقع المساندة النقدية.

وبذلك يمكن، حسابيًا، أن يصل مجموع الأغلبية والمساندة النقدية إلى 235 مقعدًا.

لكن التويزي حصل على 220 صوتًا فقط، أي أقل بخمسة عشر صوتًا من هذا المجموع الافتراضي.

فهل جاءت الأصوات العشرة الإضافية من الفريق المشترك للمساندة النقدية؟ وهل اختار بعض نوابه عدم دعم مرشح الأغلبية؟ أم تدخلت عوامل الغياب وعدم المشاركة؟

لا توفر النتائج المعطيات الكافية للحسم.

كما أن المساندة النقدية ليست التزامًا بالتصويت لصالح الحكومة في جميع المناسبات.

لكنها تطرح سؤالًا سياسيًا حول طبيعة التنسيق المرتقب: هل سيظل الدعم مشروطًا بكل ملف، أم يتطور إلى تفاهمات ثابتة حول بعض الاستحقاقات؟

26 نائبًا لم يصوتوا… ما أسباب عدم المشاركة؟

يكشف الفرق بين العدد الإجمالي لأعضاء المجلس وعدد المشاركين أن 26 نائبًا لم يدلوا بأصواتهم.

لكن هل كانوا جميعًا غائبين دون مبرر؟

تحدثت تقارير عن وزراء في حكومة تصريف الأعمال فازوا بمقاعد برلمانية، ولم يشاركوا في التصويت لتفادي إشكالية التنافي بين المسؤولية الحكومية والعضوية البرلمانية، مع حضور بعضهم الجلسة.

وبالتالي، لا يصح اعتبار الحالات الست والعشرين كلها غيابات غير مبررة.

والمطلوب توضيح عدد حالات التنافي، والغيابات المبررة، والحالات الأخرى، حتى يكون تقييم المشاركة البرلمانية قائمًا على معطيات دقيقة.

مكتب من 14 عضوًا وتسع لجان… امتحان التوازنات الحقيقي

بعد انتخاب الرئيس، تنتقل المنافسة إلى تشكيل مكتب مجلس النواب المكون من 14 عضوًا: الرئيس، وثمانية نواب للرئيس، ومحاسبين اثنين، وثلاثة أمناء.

ثم تأتي مرحلة تشكيل اللجان الدائمة التسع ومكاتبها، المكلفة بالخارجية والداخلية والعدل والمالية والقطاعات الاجتماعية والإنتاجية والبنيات الأساسية والتعليم ومراقبة المالية العامة والحكامة.

وتكتسي هذه الهياكل أهمية كبيرة في تنظيم الأشغال ومناقشة القوانين وممارسة الرقابة على الحكومة.

ويضمن النظام الداخلي للمعارضة رئاسة لجنتين على الأقل، من بينهما وجوبًا لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، مع أسبقية رئاسة لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة وفق شروط الترشيح.

هنا سيظهر مدى قدرة المعارضة على التنسيق حول حقوقها، ومدى قدرة الأغلبية على تدبير أوزان أحزابها، وموقع المساندة النقدية في التوازنات.

فتأثيث مكتب المجلس واللجان ليس توزيعًا لمناصب رمزية، بل بناء للآليات التي ستتحكم في تنظيم العمل البرلماني خلال الولاية.

الخلاصة… جمع الأصوات أسهل من جمع المواقف

نجحت الأغلبية في أول امتحان برلماني بانتخاب مرشحها رئيسًا لمجلس النواب، بينما كشفت المعارضة عن اختلاف واضح في خياراتها.

لكن هذا الاقتراع لا يكفي للحكم النهائي على تماسك التحالفات.

فالأغلبية مطالبة بتحويل أربعة برامج انتخابية إلى برنامج حكومي واحد قابل للتنفيذ والمحاسبة.

والمعارضة مطالبة بتحويل اختلافاتها إلى تعددية رقابية فاعلة، دون أن يمنعها التنافس من التنسيق في القضايا المشتركة.

أما المساندة النقدية، فعليها توضيح حدود دعمها واستقلاليتها.

ويبقى تشكيل مكتب المجلس ولجانه التسع محطة أساسية لاختبار قدرة جميع المكونات على تدبير التوازنات واحترام الحقوق المؤسساتية.

لقد جمعت الأغلبية الأصوات لانتخاب الرئيس، ووزعت المعارضة مواقفها بين الترشيح والورقة البيضاء والاحتجاج. لكن الامتحان الأكبر لم يبدأ بعد: هل تستطيع الأغلبية جمع برامجها وقراراتها كما جمعت أصواتها؟ وهل تستطيع المعارضة جمع جهودها الرقابية رغم اختلاف مواقفها؟

فالسياسة لا تُقاس فقط بعدد الأصوات التي تُجمع داخل الصندوق، بل بما تنتجه تلك الأصوات من قوانين وقرارات وإصلاحات، وبما تحققه من نتائج في حياة المواطنين.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا