الصحفي المهني والمراسل المتملق: حين تتحول الرسالة إلى مصلحة

الصحفي المهني والمراسل المتملق: حين تتحول الرسالة إلى مصلحة
محمد صالح اكليم 08 أغسطس 2026

الصحافة ليست بطاقة تحمل في الجيب، ولا صفة تضاف إلى الاسم، ولا صورة إلى جانب مسؤول، ولا وسيلة لطرق أبواب الإدارات بحثا عن منفعة. الصحافة، قبل كل شيء، رسالة ومسؤولية وأمانة أخلاقية، قوامها البحث عن الحقيقة، والتحقق من المعلومة، واحترام المواطن، وخدمة الصالح العام.

ومن هنا، وجب التمييز بين الصحفي أو المراسل الذي يحترم مهنته، وبين من يحاول اتخاذ الصحافة سلما للتقرب من المسؤولين أو تحقيق مصالح شخصية.

الصحفي المهني لا يقف ضد المسؤول لمجرد أنه مسؤول، كما أنه لا يقف إلى جانبه طمعا في رضاه. فإذا أحسن المسؤول، نقل الصحفي ما تحقق بموضوعية، وإذا أخفق أو قصر، طرح الأسئلة وانتقد الاختلال بالحجة والدليل.

فالصحافة المهنية لا تقوم على العداوة، كما لا تقوم على التملق.

إنها تقف في المسافة التي تسمح لها بأن ترى الحقيقة كما هي، بعيدا عن الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة.

فالصحفي الذي يحترم نفسه لا يجعل قلمه للبيع، ولا يغير موقفه بحسب الشخص الذي يجلس أمامه، ولا يحول الخبر إلى وسيلة للحصول على المال أو الامتياز أو الدعوة أو المجاملة.

من حق الصحفي أن يلتقي المسؤول الإداري أو المنتخب أو السياسي، وأن يطلب منه تصريحا أو معلومة أو توضيحا؛ فهذا من صميم العمل الصحفي.

لكن الفرق كبير بين البحث عن المسؤول من أجل المعلومة والجري وراءه من أجل المصلحة.

فالأول يمارس الصحافة، أما الثاني فيسيء إلى صورتها.

ومن المؤسف أن نجد أحيانا من يجعل همه الاقتراب من هذا المسؤول أو ذاك، والظهور إلى جانبه في المناسبات، وانتظار ما قد يجود به عليه من منفعة. وهنا يفقد المراسل أهم ما يملكه: استقلاليته وكرامته ومصداقيته.

فكيف يستطيع أن ينتقد غدا مسؤولا اعتاد أن ينتظر منه منفعة اليوم؟

وكيف يستطيع أن يسائله باسم المجتمع إذا أصبحت العلاقة بينهما قائمة على المصالح؟

قد يحمل الإنسان شهادة أو دبلوما في الصحافة أو الإعلام، ولكن الشهادة وحدها لا تكفي لصناعة الصحفي.

فالصحافة تحتاج إلى ثقافة، ولغة سليمة، وقدرة على التحليل، ومعرفة بالقانون، وإلمام بأخلاقيات المهنة، ودقة في نقل الأخبار، واحترام للحياة الخاصة وكرامة الأشخاص، وقبل ذلك كله ضمير مهني حي.

كما أن قيمة أي شهادة لا تكون في الورقة التي يحملها صاحبها، وإنما في المؤسسة التي أصدرتها، وفي التكوين الحقيقي الذي تلقاه، وفي الكفاءة التي تظهر في الممارسة.

لذلك لا ينبغي اتهام أحد بشراء شهادته من غير دليل، ولكن من المشروع أن نسأل: هل تعكس الممارسة المهنية فعلا مستوى التكوين الذي يدعيه صاحبها؟

حين يتحول الصحفي إلى شخص لا يكتب إلا المديح، ولا يرى إلا الإنجازات، ويتجنب كل سؤال محرج خشية فقدان علاقته بمسؤول ما، فإنه يبتعد تدريجيا عن الوظيفة الحقيقية للصحافة ويقترب من العلاقات العامة.

والفرق بين المجالين واضح.

فالصحفي يسأل: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ من المسؤول؟ ما الدليل؟ وما مصلحة المواطن؟

أما المتملق فيسأل في قرارة نفسه: ماذا سأستفيد؟

وهنا تبدأ أزمة المصداقية.

الصحافة النزيهة ليست ابتزازا للمسؤولين، وليست كذلك تطبيلا لهم.

فمن يستعمل القلم للتهديد مقابل منفعة يسيء إلى الصحافة، ومن يستعمل القلم للمديح مقابل منفعة يسيء إليها أيضا.

الصحفي الحقيقي يستطيع أن يقول للمسؤول: أحسنت عندما يحسن، وأن يقول له: أخطأت أو قصرت عندما تكون الوقائع والأدلة تؤكد ذلك، دون سب أو تشهير أو انتقام.

وهذه هي قوة الصحفي: أن يبقى حرا أمام الجميع.

قد لا يملك الصحفي مالا ، وقد لا تفتح أمامه أبواب المسؤولين، لكنه يستطيع أن يملك شيئا أثمن: احترام الناس وثقتهم.

والمسؤول نفسه، مهما اختلفنا معه، يحترم في النهاية الصحفي الذي يأتيه مرفوع الرأس، يسأله بأدب، وينتقده بحجة، وينشر جوابه بأمانة، أكثر ممن يطارده بالمجاملات صباح مساء.

فالصحافة لا تحتاج إلى الانحناء أمام المسؤول، ولا إلى الإساءة إليه؛ بل تحتاج إلى الاستقلال عنه واحترامه ومساءلته في الوقت نفسه.

إلى كل صحفي ومراسل: لا تجعلوا الصحافة طريقا إلى الدراهم، ولا بطاقة للدخول إلى مكاتب المسؤولين، ولا وسيلة لالتقاط الصور معهم.

ابحثوا عن الخبر، لا عن رضا الأشخاص.

اكتبوا الإنجاز عندما يكون إنجازا، واكشفوا التقصير عندما تثبته الوقائع، وأعطوا حق الرد لمن تنتقدون، ولا تنشروا اتهاما بلا دليل.

فالصحفي المهني قد يخسر رضا مسؤول، لكنه لا ينبغي أن يخسر احترامه لنفسه؛ وقد تغلق أمامه بعض الأبواب، لكن يبقى أمامه باب أهم: باب ثقة القارئ.

والصحافة التي تفقد ثقة القارئ، مهما كثرت بطاقاتها وشهاداتها ومنابرها، تفقد جوهر وجودها.

فالصحفي الحقيقي لا يجري وراء المسؤول من أجل درهم، بل يجري وراء الحقيقة من أجل قارئ ومجتمع ووطن.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا