في خط المواجهة: المؤسسات السيادية تتحمل ضريبة فشل السياسي

في خط المواجهة: المؤسسات السيادية تتحمل ضريبة فشل السياسي
بقلم: البراق شادي عبد السلام 06 أغسطس 2026

أمام هذا الهروب الجماعي والانسحاب الانتهازي للسياسيين، وجد رجال المغرب الوطنيون الصادقون أنفسهم، مرة أخرى، في خط المواجهة المباشر وعلى خطوط التماس المشتعلة. لقد رمى الفاعل السياسي بالعبء كاملاً، وبشكل غير مسؤول، على كاهل رجال الدولة الشرفاء؛ من الأمن الوطني، والدرك الملكي، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والقوات المساعدة، ومسؤولي الإدارة الترابية والسلطات المحلية، ليتحملوا بمفردهم كلفة هذا التخاذل المؤسساتي والغياب التام لآليات الوساطة.

هؤلاء الرجال، الذين واصلوا الليل بالنهار بعيون يقظة لا تنام، وأداروا أزمة بشرية ونفسية خانقة بحكمة بالغة، وضبط نفس أسطوري، واحترافية عالية تعكس عقيدة أمنية راسخة ومواطِنة، نجحوا في تفكيك قنابل موقوتة ومنع وقوع كوارث إنسانية ومآسٍ محققة. إنهم، وبكل تجرد، من استوعبوا الصدمة ميدانياً، وتحملوا فاتورة الإخفاق التنموي والسياسي للمنتخبين، وعقم السياسات العمومية المحلية التي فشلت في إدماج الشباب وزرع الأمل في صفوفهم.

لقد أثبتت أحداث الفنيدق وتخومها وبني إنصار، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الدولة المغربية تمتلك مناعة صلبة وعمقاً استراتيجياً متيناً بفضل مؤسساتها السيادية ويقظة أجهزتها ورجالاتها المخلصين الذين يمثلون صمام الأمان، ويعملون في صمت وتفانٍ ونكران ذات تام. لكنها في المقابل، تُطعن في ظهرها مراراً بنخبة حزبية ومجالس منتخبة عاجزة بنيوياً عن مواكبة الإيقاع السريع للرؤية الاستراتيجية للدولة، وتتحول بانتهازيتها إلى عبء ثقيل يترك الأجهزة الأمنية والمقاربة الميدانية في مواجهة منفردة وقاسية مع التداعيات الخطيرة لهذا الفراغ التأطيري والهشاشة السياسية.

▪️النفاق الأوروبي والابتزاز الجيوسياسي في توظيف الأزمات

لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة هذه الأحداث الجارية بمعزل عن التحولات الجيوسياسية والإقليمية المعقدة المحيطة بالمملكة. إن المغرب، الذي نجح في فرض نفسه كقوة إقليمية ذات سيادة كاملة وقرار مستقل ينوع شركاءه الاستراتيجيين، يجد نفسه مراراً وتكراراً عرضة لأساليب الابتزاز الممنهج بورقة الهجرة. وفي هذا السياق، تمارس أوروبا وإسبانيا نفاقاً هيكلياً ومفضوحاً؛ فهما تغلقان الأبواب أمام آفاق التنقل القانوني وتفرضان قيوداً تعجيزية ومذلة على التأشيرات، في الوقت الذي تحتاج فيه اقتصاداتهما المتهالكة ديموغرافياً إلى دماء جديدة ويد عاملة لتغطية النقص الحاصل، وهو ما يؤدي حتمياً إلى خلق "طنجرة ضغط" بشرية تُترك عمداً لتنفجر في وجه دول العبور والواجهة.

ومن هذا المنطلق، عبرت المملكة المغربية في العديد من المناسبات وبوضوح تام أنها لن تكون أبداً حديقة خلفية للمشهد السياسي الإسباني أو الأوروبي، ولا مسرحاً لتصريف تدافعاتهم الانتخابية وصراعاتهم الحزبية الضيقة على حساب أمنها القومي واستقرارها المجتمعي. فالمغرب يدير قضاياه الإستراتيجية بمنطق الشراكة الندية والمسؤولية المشتركة، رافضاً الخضوع لأي ابتزاز سياسوي خارجي.

فكل المؤشرات تؤكد وجود أطراف ودوائر معادية يزعجها بشدة المسار التنموي المتصاعد والدبلوماسية الهادفة للمملكة، فتتلقف صور مئات الشباب المندفعين نحو السياج كمادة خام ومثالية لحملات دعائية مسمومة. وهي ذات المناهج العدائية التي ظهرت ملامحها بوضوح في إخراج ملف "بيغاسوس" والترويج له باحترافية مشبوهة في مختلف الدوائر الإعلامية الأوروبية والدولية بهدف خلق حالة من الاستعداء الممنهج ضد المصالح المغربية. تسعى هذه الأطراف من خلال كل هذه الأدوات إلى التشويش على الانتصارات والمكتسبات الدبلوماسية للمملكة، وتتعمد توقيت هذه الأزمات بعناية فائقة لتتزامن مع محطات وطنية كبرى للتنغيص عليها وإفساد رمزيتها. ومع ذلك، وبكل الوضوح الممكن والموضوعية المطلوبة، فإن هذا الاستهداف الخارجي والابتزاز المقيت ما كان ليبلغ مداه أو يحقق أي منزلق لولا حالة الهشاشة والقصور البنيوي التي خلقتها النخب السياسية الفاشلة في الداخل، والتي تركت الجبهة الداخلية عرضة للتآكل وغياب التأطير الفعلي.

وإلى جانب الابتزاز السياسي الرسمي، كشفت هذه الأحداث عن السقوط الأخلاقي والنفاق المنهجي الذي تطبعه المنظمات الحقوقية الأوروبية والإسبانية والدولية؛ تلكم الهيئات التي لطالما نصبت نفسها "أوصياء" على الضمير العالمي لتوزيع الدروس المجانية وصكوك الغفران على المغرب في مجالات حقوق الإنسان وحماية المهاجرين. لقد برز بوضوح ذلك "الصمت المطبق" والتواطؤ المفضوح لهذه المنظمات طوال الأيام العصيبة التي تكبد فيها المهاجرون غير النظاميين أبشع الظروف داخل مدينة سبتة المحتلة، حيث تُرِكوا يواجهون الجوع، وغياب أبسط شروط النظافة، وانعدام المواكبة الطبية، فضلاً عن تعرضهم لممارسات حاطة بالكرامة الإنسانية داخل الثغر المحتل. إن هذا السكوت المريب يعري الوجه الحقيقي لخطاب حقوق الإنسان المزدوج، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك الإطارات الحقوقية ليست سوى منابر انتقائية وأذرع مسيّرة تُشهِر شعاراتها المزيفة حين تخدم أجندات الابتزاز، وتخرس كلياً حين تتعلق الانتهاكات الصارخة بحقوق المهاجرين على التراب الأوروبي.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا