الكوطة النسائية في المغرب: حين انتزع النضال حقه في التمثيلية
عندما نتحدث اليوم عن الكوطة النسائية في المغرب، لا ينبغي أن ننسى أنها لم تكن منحة مجانية، ولا امتيازاً وُلد في فراغ. لقد جاءت ثمرة مسار طويل من النضال النسائي والسياسي والحقوقي، خاضته أجيال من النساء المؤمنات بحق المرأة المغربية في المشاركة الكاملة في تدبير الشأن العام والوصول إلى مواقع القرار.
فلسنوات طويلة، ظلت المرأة المغربية حاضرة بقوة في المجتمع، وفي الأسرة، وفي الاقتصاد، وفي العمل الجمعوي والنقابي والحزبي، لكنها كانت غائبة أو شبه غائبة عن المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار السياسي. ولم يكن ذلك بسبب ضعف كفاءتها أو غياب إرادتها، بل نتيجة تراكمات ثقافية واجتماعية وسياسية جعلت فرص الولوج إلى مواقع المسؤولية غير متكافئة بين النساء والرجال.
من داخل التنظيمات النسائية للأحزاب السياسية، ومن داخل الحركة النسائية والحقوقية، ارتفعت الأصوات مطالبة بإجراءات عملية تضمن تمثيلية أفضل للنساء داخل المؤسسات المنتخبة. وقد كان الهدف واضحاً: فتح الباب أمام الكفاءات النسائية وإزالة الحواجز التي حالت دون وصولها إلى مواقع صنع القرار.
لقد آمنت المناضلات آنذاك بأن الديمقراطية لا يمكن أن تكون مكتملة في ظل غياب نصف المجتمع عن دوائر القرار، وأن التنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون مساهمة فعلية للمرأة في التشريع وصناعة السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها.
وفي هذا السياق تم اعتماد آلية الكوطة باعتبارها إجراءً انتقالياً يروم تصحيح اختلال قائم، وليس غاية في حد ذاتها. فقد كان الرهان هو توفير شروط الانطلاق نحو مشاركة سياسية أوسع للنساء، إلى أن تصبح المنافسة السياسية قائمة على تكافؤ حقيقي للفرص دون حاجة إلى إجراءات تمييز إيجابي.
وبعد أكثر من عشرين سنة من اعتماد هذه الآلية، يحق لنا اليوم أن نتوقف للتقييم بهدوء ومسؤولية. ليس للتشكيك في فلسفة الكوطة أو في النضالات التي أنتجتها، وإنما وفاءً لتلك النضالات نفسها، وانسجاماً مع مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمردودية.
فالآليات الديمقراطية لا تكتسب مشروعيتها من وجودها فقط، بل من قدرتها على تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مساءلة الحصيلة، وقياس الأثر، والبحث في مدى مساهمة الكوطة في توسيع مشاركة النساء، وإفراز نخب سياسية جديدة، وتعزيز حضور الكفاءات النسائية داخل المؤسسات المنتخبة.
إن تكريم النضال النسائي الحقيقي لا يكون بتقديس الآليات، وإنما بامتلاك الشجاعة لتقييمها وتطويرها كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وفي المقال القادم، سنعود إلى الفلسفة الأصلية للكوطة النسائية: لماذا تم اعتمادها؟ وما الأهداف التي كانت منتظرة منها عند انطلاقها؟






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس