البوليساريو... نهاية مغامرة

البوليساريو... نهاية مغامرة
بقلم: الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما 28 مايو 2026

منذ أكثر من نصف قرن، ظل نزاع الصحراء واحدا من أكثر الملفات تعقيدا في المنطقة المغاربية، بعدما تشابكت فيه الحسابات السياسية والإيديولوجية مع رهانات الحرب الباردة وصراعات النفوذ الإقليمي. ففي خضم تلك المرحلة المضطربة من سبعينيات القرن الماضي، ظهرت جبهة البوليساريو كتنظيم تأثر بخطابات التحرر والثورات الاشتراكية التي كانت تكتسح عددا من دول العالم الثالث، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أبرز عناصر التوتر في شمال إفريقيا. وبين شعارات الانفصال وأحلام "الجمهورية" المعلنة فوق الورق، امتد الصراع لعقود طويلة، دفع خلالها آلاف الصحراويين واللاجئات والشيوخ والاطفال ثمن الانتظار والمعاناة داخل فيافي تندوف، بينما كانت المنطقة بأسرها تخسر فرصا ثمينة للتنمية والاستقرار والتكامل المغاربي.

وتعود بدايات هذا " الحراك" إلى ظروف إقليمية ودولية خاصة، حيث تأسست بمدينة الزويرات الموريتانية سنة 1973 تحت اسم "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" (F. POLISARIO)، في سياق كانت فيه الأفكار الثورية والتحررية وجدت لها صدى واسعا لدى شباب طانطان آنذاك. غير أن هذا التنظيم الناشئ سرعان ما تحول إلى ورقة سياسية وإقليمية بعدما احتضنه النظام الجزائري سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا، مستثمرا حالة التوتر التاريخي التي خلفتها حرب الرمال مع المغرب. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النزاع مجرد خلاف محدود، بل تحول إلى صراع مفتوح استنزف المنطقة لعقود طويلة وأدخلها في حالة من الجمود السياسي والأمني.

ومع مرور السنوات، أعلنت البوليساريو ما سمته "الجمهورية الصحراوية"، في خطوة اعتبرها متابعون محاولة لإضفاء طابع الدولة على كيان يفتقد للمقومات الأساسية لأي دولة قائمة. فلا سيادة فعلية على الأرض، ولا مؤسسات مستقلة، ولا اقتصاد قائم بذاته، ولا اعتراف دولي وازن يمنحه الشرعية السياسية الكاملة. ورغم ذلك، استمرت القيادة الانفصالية التائهة في الترويج لخطاب الحسم العسكري والانتصار الوهمي، معتمدة على الدعم السياسي والعسكري الذي تلقته من بعض الأنظمة والتنظيمات ذات الخلفية "الثورية" خلال تلك المرحلة.

وفي المقابل، وجد آلاف الصحراويين أنفسهم داخل مخيمات مغلقة في تندوف، يعيشون أوضاعا إنسانية صعبة وسط ظروف قاسية من الفقر والحرمان والعزلة. وتحولت معاناة السكان مع مرور الوقت إلى ورقة سياسية تُستثمر في المحافل الدولية أكثر مما تُطرح باعتبارها قضية إنسانية تستوجب الحل. كما تحدثت تقارير وشهادات متطابقة على امتداد سنوات طويلة عن تجاوزات مرتبطة بالتضييق على الحريات واعتقالات وتعذيب داخل سجون الرشيد والذهبية وگويرت بيلا، في وقت كان فيه الشبان الصحراويين الذين زج بهم في حرب لا ناقة لهم فيها لا جمل، يبحثون فقط عن الأمن والاستقرار ولمّ شمل الأسر المشتتة بين المخيمات والأقاليم الجنوبية للمملكة.

وخلال تسعينيات القرن الماضي، ومع إطلاق الأمم المتحدة لمسلسل التسوية وطرح خيار الاستفتاء، بدأت تعقيدات الملف تظهر بشكل أوضح، خاصة فيما يتعلق بتحديد الهوية الحقيقية للساكنة المعنية بالتصويت. فقد اصطدمت الأمم المتحدة بصعوبات كبيرة بسبب تضخم اللوائح واختلاط الانتماءات القبلية ووجود أسماء وافدة من مناطق متعددة من موريتانيا ومالي والنيجر وجنوب الجزائر، ما جعل تطبيق هذا الخيار أمرا شديد التعقيد. ومنذ تلك المرحلة، بدأ المنتظم الدولي يقتنع تدريجيا بأن الحلول النظرية والشعارات الإيديولوجية لم تعد قابلة للتطبيق، وأن الواقعية السياسية تفرض البحث عن تسوية عملية ودائمة تحفظ الاستقرار وتضمن كرامة السكان.

وفي سياق إجراءات بناء الثقة التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، شكلت الزيارات العائلية المتبادلة بين سكان المخيمات والأقاليم الجنوبية محطة فارقة في مسار هذا النزاع، بعدما وقف عدد كبير من الصحراويين على حجم التحولات التنموية التي شهدتها مدن الصحراء المغربية. فقد اكتشف الزوار مشاريع البنية التحتية الحديثة، وتوسع الخدمات الاجتماعية، والاستقرار الأمني، إضافة إلى دينامية اقتصادية وتنموية متسارعة غيرت ملامح المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، بدا واقع المخيمات غارقا في الانتظار والجمود، ما دفع عددا من المواطنين الصحراويين إلى اختيار العودة إلى أرض الوطن في إطار مبادرة "إن الوطن غفور رحيم"، اقتناعا بأن المستقبل الحقيقي يوجد داخل الوطن وليس في استمرار معاناة اللجوء.

وخلال السنوات الأخيرة، دخلت البوليساريو في سلسلة من التحركات التي وُصفت بالمغامرات السياسية غير المحسوبة، كان أبرزها محاولة عرقلة معبر الكركرات سنة 2020 وقطع حركة العبور المدني والتجاري بين المغرب وعمقه الإفريقي. غير أن تدخل القوات المسلحة الملكية المغربية جاء بشكل سريع وحاسم، حيث تمت إعادة فتح المعبر وتأمينه دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة، في خطوة اعتبرها متابعون تأكيدا على قدرة المغرب على التعامل بمنطق الدولة المسؤولة الحريصة على حماية الاستقرار الإقليمي وضمان انسيابية المبادلات التجارية الدولية.

كما سعت قيادة البوليساريو في مغامراتها المتواصلة إلى الترويج لما تسميه "المناطق المحررة"، من خلال تنظيم تجمعات دعائية ونصب خيام واستقدام متعاطفين أجانب إلى المنطقة العازلة، في محاولة لإظهار وجود سيادة فعلية على الأرض. غير أن هذه التحركات سرعان ما فقدت تأثيرها أمام التحولات الميدانية والتكنولوجية التي جعلت المنطقة العازلة مكشوفة بالكامل، لتتراجع تلك المغامرات الدعائية تدريجيا أمام واقع جديد يؤكد أن الشعارات وحدها لم تعد قادرة على تغيير المعطيات الحقيقية على الأرض.

وفي مقابل هذا المسار، اختار المغرب منذ سنة 2007 نهج مقاربة سياسية تقوم على الواقعية والتوافق، من خلال تقديم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا جديا وواقعيا وذا مصداقية، يضمن لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة. ومع مرور السنوات، بدأت مواقف العديد من القوى الدولية الكبرى تتجه نحو دعم هذا الطرح، بعدما برز باعتباره الخيار الأكثر قابلية للتطبيق والأنسب لإنهاء نزاع طال أمده واستنزف المنطقة لعقود.

كما شهدت السنوات الأخيرة تحولا لافتا في المواقف الدولية، تجسد في افتتاح عدد من الدول لقنصلياتها بالأقاليم الجنوبية، إلى جانب تزايد الدعم الدبلوماسي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وواقعيا للحل النهائي. وفي المقابل، تعيش القيادة الانفصالية ومن يدعمها حالة من العزلة السياسية المتزايدة، في ظل إدراك دولي متنام بأن استمرار هذا النزاع لم يعد يخدم سوى إدامة التوتر وتعطيل فرص التنمية والاستقرار في المنطقة المغاربية.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، لم يعد هناك مكان للمشاريع الوهمية ولا للنزاعات التي تعيش على شعارات الماضي. فالتاريخ لا يرحم الكيانات التي تبني وجودها على الوهم والمغامرة، والواقع يفرض في النهاية منطقه على الجميع. وبعد عقود من المعاناة والتشرد وإهدار الزمن المغاربي، بات واضحا أن مستقبل الصحراء يُبنى اليوم بالتنمية والاستقرار والوحدة، لا بالشعارات والمغامرات والخطابات المتجاوزة. وبين وطن اختار الاستثمار في الإنسان والأرض، ومشروع استنزفته الانقسامات والعزلة، تبدو النهاية أقرب من أي وقت مضى إلى حسم سياسي يطوي آخر فصول هذا النزاع المفتعل، ويفتح الباب أمام الصحراويين للانخراط في مستقبل يصنعه الأمل بدل الانتظار، والبناء بدل الصراع، والوطن بدل التيه.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا