الأمن المغربي... من التجربة المحلية إلى التصدير الدولي

الأمن المغربي... من التجربة المحلية إلى التصدير الدولي
بقلم: محمد أعزوز 07 مايو 2026

في مطلع يناير 2026، حطّ وفد رفيع من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي في الرباط لثلاثة أيام متتالية. قاد الوفد دوغلاس أولسون، مدير العمليات في قسم خدمات التدخل الميداني، وكيفن كوالسكي، نائب مدير مجموعة الاستجابة للطوارئ، وكان الهدف دراسة النموذج المغربي في تأمين التظاهرات الكبرى، لا مجرد تبادل بروتوكولي. بدأ الوفد مهمته بزيارة ميدانية إلى ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط خلال مباراة المغرب وتنزانيا، حيث تابع منظومة نشر الشرطة وعمليات المراقبة بالطائرات دون طيار والكاميرات عالية الدقة، فضلاً عن آليات التنسيق الإلكتروني بين مختلف الأجهزة الأمنية. السؤال الذي يطرحه هذا المشهد عملياً: ما الذي يجعل دولة بميزانية أمنية تتجاوز 800 مليار دولار سنوياً تتوجه إلى الرباط لتتعلم

الجواب يكمن في مزيج من الاستخبارات الاستباقية والتخطيط الدقيق والتعاون الدولي المتراكم على مدى عقدين. فالشراكة الأمنية بين الرباط وواشنطن ليست وليدة استضافة كأس العالم 2026، بل تمتد جذورها لسنوات من التعاون الميداني في مجالات التحقيقات المالية وتحليل الاستخبارات والأدلة الجنائية وأمن الطيران والأمن السيبراني. يُرسل مكتب التحقيقات الفيدرالي ضباطاً مغاربة إلى أكاديميته في كوانتيكو بولاية فيرجينيا، وهو ما يعكس اعترافاً عملياً بكفاءة الكوادر الأمنية المغربية. وتُوّج هذا المسار مؤخراً بقرار ذي دلالة رمزية ومؤسسية واضحة.

أعلنت إدارة أمريكية عن دعوة المغرب للمشاركة في المركز الدولي للتعاون الشرطي (IPCC) خلال مونديال 2026، وهو مركز تنسيق متعدد الأجهزة أسسته الحكومة الأمريكية لتيسير التعاون الشرطي الدولي، وضمان التنسيق الموحد في إدارة المخاطر وتبادل المعلومات طوال مدة البطولة. وكان المغرب قد سبق أن أسهم في تأمين كأس العالم 2022 بقطر والألعاب الأولمبية لباريس 2024، مما يرسم مساراً واضحاً لتحول المملكة إلى شريك أمني مطلوب في كبرى التظاهرات الدولية.

لم يكن نجاح كأس أمم إفريقيا 2025 مصادفة. نشرت السلطات 6000 كاميرا مراقبة متنقلة عبر 75 موقعاً حساساً، مع التركيز على المحاور الطرقية الرئيسية، إذ اعتمد بعضها على الذكاء الاصطناعي للتحليل الآني وتقنية التعرف على الوجوه. وخُصص 3387 ضابط شرطة متخرج حديثاً لمهام البطولة، إلى جانب أكثر من 100 ضابط في نقاط العبور الحدودية بالمدن المستضيفة. استُحدثت وحدات قضائية مؤقتة داخل الملاعب للبت السريع في المخالفات كتزوير التذاكر وتحليق الطائرات بدون طيار في المناطق المحظورة وتجاوز حدود الملاعب، في سابقة تعكس نضج المقاربة الأمنية المغربية وقدرتها على المعالجة اللحظية لا الاكتفاء بالردع.

اعتبر الأمريكيون تنظيم كأس أمم إفريقيا "نموذجاً يُحتذى به"، تقييم لا يصدر عادة عن أكبر قوة أمنية في العالم إلا حين يكون مستحقاً. وقد عزّز هذا النجاح قرار افتتاح المغرب في ديسمبر 2025 بمدينة سلا أول مركز إفريقي للتعاون الأمني المتخصص في أمن التظاهرات الرياضية، يجمع ضباط ارتباط من الدول المشاركة في البطولة إلى جانب ممثلي الاتحاد الإفريقي لكرة القدم والفيفا. ليس المركز فضاءً إدارياً بل منصة تشغيلية لتبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، مما يمثل تحولاً نوعياً في دور المغرب: من دولة تستفيد من التعاون الدولي إلى دولة تقوده وتنسقه إقليمياً.

يستند هذا الصرح كله إلى جهاز استخباراتي ثبتت فعاليته في الميدان. تشكل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) التي يقودها عبد اللطيف الحموشي منذ 2015 ـ إلى جانب المديرية العامة للأمن الوطني ـ العمود الفقري لهذا الجهاز. برهنت على قدراتها الاستباقية حين نبّهت نظيرتها الفرنسية إلى وجود عبد الحميد أباعود قبيل هجمات باريس 2015، وتواصلت مع الاستخبارات الألمانية بشأن أنيس عمري قبل هجوم برلين 2016. هذه القدرات تحول المغرب إلى شريك يمنع التهديدات قبل وقوعها لا يكتفي بالتحقيق فيها بعدها.

وفق وزارة الداخلية المغربية، تمكنت الأجهزة الأمنية منذ 2002 من تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية، من بينها ثلاث خلايا خلال 2025 وحدها. وحسب تقرير معهد الإرهاب العالمي لعام 2024، حلّ المغرب في المرتبة الأخيرة عالمياً، وهي المرتبة التي يمنحها المعهد للدول الأكثر أماناً والتي حصلت على النقطة الصفر. هذه النتيجة في منطقة تعتمل فيها تهديدات الساحل والجريمة العابرة للحدود ليست معطى اعتيادياً، بل دليل على استراتيجية أمنية تعمل في صمت وبنتائج قابلة للقياس. على صعيد التعاون الثنائي، أفادت وكالة إيفي الإسبانية بأن التنسيق بين الرباط ومدريد أفضى منذ 2015 إلى تفكيك أكثر من 30 خلية إرهابية وتوقيف 153 عنصراً متطرفاً، في نموذج يُضرب به المثل في التعاون الاستخباراتي المتبادل.

ما يميز المقاربة المغربية عن غيرها ليس الموارد الهائلة، بل التوليف بين بُعدين متكاملين: الاستخبارات الدقيقة والتدخل السريع من جهة، ومعالجة الجذور الاجتماعية والثقافية للتطرف من جهة أخرى. فبرامج مكافحة التطرف المغربية لا تقتصر على ملاحقة الخلايا بل تستثمر في الحقل الديني والتعليمي وإعادة الإدماج، مما يجعل الاستراتيجية الأمنية بنيوية لا ظرفية. يُضاف إلى ذلك الاستثمار المستمر في التدريب، خاصة عبر البرامج الأمريكية والشراكات مع ألمانيا وقطر وغيرها، مما يضمن مواكبة أحدث التقنيات وتطوير القدرات التحقيقية باستمرار.

مشاركة المغرب في المنظومة الأمنية لمونديال 2026 تتيح لمسؤوليه التعرف المبكر على أُطر التخطيط لبطولات متعددة المدن والملاعب، تجربة ستُشكّل رافداً جوهرياً للتحضير لاستضافة مونديال 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال. يرتبط هذا التعاون كذلك بالسياق الاحتفالي بالذكرى 250 للعلاقات المغربية الأمريكية، مما يمنحه ثقلاً تاريخياً يتجاوز البُعد التقني ليصبح جزءاً من بنية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

في الختام، لا يعد لجوء القوى العظمى – وعلى رأسها الولايات المتحدة – إلى الخبرة المغربية مجرد مجاملة سياسية عابرة، بل هو اعتراف برغماتي بكفاءة نموذج أمني استطاع الموازنة بين اليقظة الميدانية والموارد المدروسة. لقد نجح المغرب في تحويل أمنه الداخلي إلى قوة ناعمة ومورد دبلوماسي يعزز موقعه كشريك لا غنى عنه في الاستقرار العالمي. ومع اقتراب استحقاقات مونديالي 2026 و2030، يكرس المغرب مكانته كمرجع دولي يُحتذى به، مؤكداً أن الأمن في المفهوم الحديث ليس مجرد حماية للحدود، بل هو استثمار استراتيجي في السمعة الدولية وجسر متين لبناء الثقة بين الأمم.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا