عندما يتحول الواجب إلى معاناة: المتقاعدون العسكريون في جهة كلميم وادنون بين معاشات هزيلة وغلاء لا يرحم

عندما يتحول الواجب إلى معاناة: المتقاعدون العسكريون في جهة كلميم وادنون بين معاشات هزيلة وغلاء لا يرحم
بقلم: عبد اللطيف الصافي 06 مايو 2026

في جهة كلميم وادنون، حيث تختلط قسوة الجغرافيا بهشاشة البنيات الاجتماعية، تبرز فئة المتقاعدين العسكريين كواحدة من أكثر الفئات التي تعيش مفارقة صادمة: رجال أفنوا سنوات عمرهم في خدمة الوطن، ليجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة يومية مع ضيق ذات اليد وارتفاع كلفة العيش. مفارقة تختزلها أرقام معاشات لا تكاد تكفي لتأمين الحد الأدنى من الكرامة، في زمن تتسارع فيه الأسعار بلا هوادة.

المعاش الذي يتقاضاه عدد كبير من المتقاعدين العسكريين وأراملهم، خاصة من ذوي الرتب الدنيا، لا يعكس بأي حال حجم التضحيات التي قدموها. فبدل أن يكون التقاعد مرحلة استقرار، تحول إلى عبء ثقيل، حيث يضطر الكثيرون إلى تدبير حياتهم بمنطق التقشف القاسي، أو البحث عن أعمال هامشية لتعويض عجز دخلهم. في المقابل، لا تتوقف أسعار المواد الأساسية والخدمات عن الارتفاع، ما يجعل الفجوة بين الدخل ومتطلبات العيش تتسع بشكل مقلق.

الأمر لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بكرامة فئة تشعر بأنها تُركت على الهامش. ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه أن تحظى هذه الشريحة بعناية خاصة، بالنظر إلى طبيعة مهامها السابقة، نجدها اليوم تصارع لتغطية تكاليف العلاج أو تعليم الأبناء أو حتى تأمين حاجيات يومية بسيطة. ومع تقدم السن، تتضاعف الأعباء الصحية، لتتحول التغطية الصحية، رغم وجودها النظري، إلى مصدر آخر للمعاناة بسبب محدودية العرض الصحي داخل الجهة، وتعقيد المساطر، والحاجة المتكررة للتنقل نحو مدن بعيدة.

الحديث عن كلميم وادنون لا ينفصل عن واقعها التنموي العام، حيث تظل البنيات الصحية والاجتماعية دون مستوى الحاجيات، وهو ما يزيد من هشاشة هذه الفئة. فالمتقاعد العسكري هنا لا يواجه فقط ضعف المعاش، بل يواجه أيضاً عزلة جغرافية ونقصاً في الخدمات، ما يضاعف الإحساس بالتهميش.

ورغم أن جمعيات المتقاعدين العسكريين بهذه الجهة تحاول، بإمكانيات محدودة، إيصال صوت هذه الفئة، فإن مطالبها المتكررة لا تزال تصطدم بجدار من التهميش و التجاهل. مطالب تبدو في جوهرها بسيطة: مراجعة المعاشات بما يواكب كلفة المعيشة، تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية، وإقرار آليات دعم اجتماعي تحفظ كرامة من خدموا البلاد لسنوات طويلة.

إن استمرار هذا الوضع لا يمكن قراءته فقط كإشكال اجتماعي، بل كاختلال في ترتيب الأولويات. فالمجتمعات التي لا تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم لمتقاعديها، خصوصاً أولئك الذين اشتغلوا في قطاعات سيادية، تفتح الباب أمام شعور عميق بالغبن وفقدان الثقة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بمنح امتيازات، بل بإقرار حق مشروع في العيش الكريم. فبين واجب الدولة في الاعتراف، وحق المتقاعد في الكرامة، تبدو المسافة في كلميم وادنون أبعد مما ينبغي، وتبدو الحاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لإعادة النظر في وضعية معاشات لا تزال، بكل بساطة، خارج سياق الواقع المعيشي.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا