حين تنخفض البطالة ولا ينحسر ضغط الشغل.. قراءة تكشف الوجه الآخر لسوق العمل المغربي

حين تنخفض البطالة ولا ينحسر ضغط الشغل.. قراءة تكشف الوجه الآخر لسوق العمل المغربي
احلام ساقي 08 أغسطس 2026

ليس كل انخفاض في معدل البطالة إعلاناً عن انتصار عليها، كما أن الرقم الإحصائي، مهما بلغت دقته العلمية، لا يستطيع بمفرده اختزال واقع اجتماعي واقتصادي تتداخل فيه البطالة، والشغل الناقص، وضعف المشاركة، وهشاشة الاندماج المهني. فمن خلف نسبة 9.5 في المائة من البطالة وفق التعريف الضيق، تبرز صورة أكثر تركيباً لسوق العمل المغربي، حيث تتسع دائرة الأشخاص الذين لم يجدوا بعدُ الاستخدام الكامل لقدراتهم وطاقاتهم المهنية.

ومن هذه الزاوية، يفتح معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية بالرباط نقاشاً نقدياً حول قراءة معطيات سوق الشغل بالمغرب خلال الفصل الثاني من سنة 2026، من خلال دراسة تحليلية أعدها الدكتور يونس بنان، الباحث الرئيسي بالمعهد، تناولت المنهجية الجديدة المعتمدة في البحث الوطني حول القوى العاملة EMO 2026، وما تتيحه من إمكانات لقراءة أعمق لحقيقة التشغيل والبطالة في المغرب.

وتنطلق الدراسة من مفارقة أساسية: انخفاض البطالة وفق التعريف الضيق لا يعني بالضرورة تراجع الضغط الاجتماعي المرتبط بالعمل. فالمنهجية الجديدة، وإن كانت تمثل تحولاً علمياً مهماً نحو مفاهيم أكثر تركيباً، فإن تضييق تعريف البطالة وربطه بشروط من بينها البحث النشط عن العمل والجاهزية الفورية، قد يؤدي إلى إعادة توزيع إحصائي لفئات من الأشخاص بين مؤشرات مختلفة، دون أن يعني ذلك بالضرورة اختفاء العجز الفعلي عن الاندماج في سوق العمل.

وبحسب المعطيات الواردة في الدراسة، يبلغ عدد العاطلين وفق مفهوم البطالة الضيق 1.121 مليون شخص، بينما تتسع دائرة الضغط المرتبط بعدم الاستخدام الكامل للقوى العاملة إلى نحو 2.36 مليون شخص، عند احتساب مكونات أخرى، من بينها 711 ألف شخص ضمن القوة العاملة المحتملة و527 ألف شخص في حالة شغل ناقص مرتبط بساعات العمل. وبذلك، يصل المعدل الإجمالي للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة LU4 إلى 18.9 في المائة، وهو مؤشر يرسم صورة أوسع من تلك التي يمكن أن يقدمها معدل البطالة وحده.

وتبدو المفارقة أكثر حدة لدى الشباب، إذ يبلغ معدل البطالة الضيق لدى الفئة العمرية 15 إلى 24 سنة نحو 27.2 في المائة، بينما يصل معدل الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة إلى 41.7 في المائة. وتكشف هذه الفجوة أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الشاب الذي لا يجد عملاً، وإنما تمتد إلى من لا يستفيد من كامل طاقته، أو يوجد في وضعية مهنية لا توفر له الاستقرار والاندماج المنشودين. ومن ثم، فإن قراءة وضعية الشباب من خلال البطالة وحدها قد تحجب جانباً مهماً من حجم التحدي الذي يواجه الاقتصاد المغربي في إدماج طاقاته الشابة.

أما النساء، فتأخذ المعادلة بعداً أكثر تعقيداً، إذ تشير الدراسة إلى أن المشاركة الاقتصادية لا تتجاوز 18.1 في المائة، في حين يصل معدل الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة لديهن إلى 26.7 في المائة. وتعني هذه الأرقام أن التحدي لا يتمثل فقط في معالجة بطالة النساء، وإنما أيضاً في رفع مستوى مشاركتهن الاقتصادية وإزالة العوائق التي تحول دون ولوجهن سوق العمل والاستمرار فيه. فوراء كل نسبة طاقات بشرية يمكن أن تسهم في التنمية، لكنها لا تجد دائماً الظروف الملائمة لتحويل القدرة على العمل إلى اندماج اقتصادي فعلي ومستدام.

وتكشف وضعية حاملي الشهادات العليا بدورها عن استمرار تحدي الملاءمة بين منظومة التكوين وحاجات سوق العمل، إذ يبلغ معدل البطالة الضيق لدى هذه الفئة 16.7 في المائة. ويعيد هذا الرقم إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات المتخرجة، وتحويل الرصيد التعليمي والمعرفي إلى وظائف منتجة ومستقرة، بدل أن تتحول الشهادة إلى محطة انتظار طويلة قبل الوصول إلى الاندماج المهني.

وترى الدراسة أن المنهجية الجديدة تمثل، من حيث المبدأ، تطوراً إيجابياً في قياس سوق العمل، لأنها تسمح برؤية أوسع لمختلف أشكال عدم الاستخدام الكامل للقوى العاملة. غير أن القيمة الحقيقية للإحصاء لا تتوقف عند طريقة احتسابه، بل تمتد إلى كيفية توظيفه في الخطاب العمومي.

ومن هنا، يدعو المعهد إلى عدم تقديم معدل البطالة الضيق LU1 البالغ 9.5 في المائة منفرداً، وإلى اعتماد المؤشر المركب LU4 البالغ 18.9 في المائة إلى جانبه، بما يسمح للرأي العام بتكوين صورة أكثر توازناً عن واقع سوق الشغل. فالرقم لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يحجب الواقع، بل إلى مرآة تكشفه وتساعد على معالجته.

ولا تقف توصيات المعهد عند حدود المؤشرات الإحصائية، بل تمتد إلى جوهر السياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل. فنجاح سياسة التشغيل لا ينبغي أن يقاس بعدد الوظائف التي تم إحداثها فقط، وإنما كذلك بمدى استقرارها، وجودة الأجور، والحماية الاجتماعية، والإنتاجية، وآفاق التطور المهني. كما تدعو الدراسة إلى تطوير مؤشرات أكثر استهدافاً، من بينها «مؤشر الاندماج الاقتصادي للشباب» و"مؤشر الإدماج الاقتصادي للنساء"، مع مراعاة التفاوتات الجهوية التي تجعل واقع سوق الشغل مختلفاً من منطقة إلى أخرى.

وفي المحصلة، تضع هذه القراءة النقدية النقاش أمام حقيقة جوهرية: الرهان لم يعد فقط على خفض معدل البطالة، وإنما على بناء سوق شغل قادر على تحويل الطاقات البشرية إلى عمل لائق ومستدام.

ولعل العبارة الأكثر اختصاراً لجوهر الدراسة تختزل هذا الرهان بوضوح:

" المنهج الجديد يحسن قياس سوق العمل، لكنه لا ينبغي أن يحسن صورة سوق العمل على حساب حقيقة سوق العمل".

فبين الرقم والحقيقة مسافة لا يردمها إلا التحليل، وبين انخفاض البطالة وتحسن شروط العيش سؤال أكبر يظل مطروحاً: هل نجحنا في تقليص البطالة، أم أننا نحتاج قبل ذلك إلى قياس حجم العمل الذي لا يزال مفقوداً، وجودة العمل الذي تم إحداثه؟



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا