معاناة ملايين الأشخاص المصابين بأمراض نفسية مع صعوبات الحصول على العلاج

معاناة ملايين الأشخاص المصابين بأمراض نفسية مع صعوبات الحصول على العلاج
عبد الله رابح 27 أكتوبر 2026

وفقا لمعطيات رسمية، يعاني الملايين في المغرب من أمراض نفسية، ويواجه الكثيرون منهم الكلفة الباهظة للمتابعة لدى طبيب نفسي في القطاع الخاص، بينما تشير معطيات إلى نقص في عدد الأطباء النفسيين وخاصة في القطاع العام.

وكان وزير الصحة الأسبق أنس الدكالي قد صرح امام مجلس النواب، ان 40 بالمائة من المغاربة (الذين تفوق أعمارهم 15 عاما) يعانون من أمراض نفسية وعقلية، الأسبوع الماضي، أي قرابة 9.6 ملايين مغربي من أصل 24 مليونا هو تعداد هذه الفئات العمرية بحسب نتائج الإحصاء السكاني العام.

وفي ظل وجود هذا العدد الكبير للمصابين بأمراض نفسية او عقلية، فان العثور على طبيب مختص، وحجز موعد للاستشارة الطبية، وتكاليفها الباهظة، وضمان استمرارية المتابعة؛ كلها أمور تجعل من الوصول إلى الرعاية النفسية رحلة شاقة بالنسبة للعديد من الأسر المغربية. وفي ظل الميزانيات المعلن عنها، يظل السؤال مطروحاً: كيف يمكن توفير الدعم والمواكبة للأفراد قبل أن تتدهور حالتهم الصحية؟

وحسب المصدر المذكور فان ربع المغاربة يعانون من اضطرابات في الصحة النفسية، من بينهم ازيد مليوني طفل وشاب.

 ووفقاً للأرقام التي أوردها "التحالف المهني للأخصائيين النفسيين السريريين الممارسين في القطاع الحر" بالمغرب، فإن 85 بالمائة من هؤلاء الأشخاص لا يحصلون على الرعاية اللازمة. وتعكس هذه الأرقام حجم الاحتياجات القائمة، دون أن تمثل بالضرورة إحصاءً دقيقاً لعدد المرضى الذين خضعوا لتشخيص طبي.

وتُعد ندرة المختصين، والتفاوتات بين المناطق، والتكاليف المرتفعة، والوصمة الاجتماعية، عوائق رئيسية تحول دون الحصول على العلاج. وبالنسبة للأسر التي تقطن بعيداً عن المراكز المتخصصة، فإن تكاليف التنقل تزيد من الأعباء المالية، كما تجعل من الصعب الالتزام بانتظام المتابعة العلاجية.

ورغم الاهتمام التي تم ايلاءه لهذه الظاهرة المرضية، والتي انطلقت من الرباط، بتاريخ 3 سبتمبر، تحت شعار "خطة الصحة النفسية 2030" والتي رُصدت لها ميزانية مُعلنة تقارب أربع مليارات درهم- بهدف تعزيز الوقاية، وتوفير الرعاية الصحية القريبة من المواطنين، ودعم التأهيل. وتتضمن الخطة، على وجه الخصوص، منح دور أكبر للمراكز الصحية وأخصائي الرعاية الأولية في الكشف عن الحالات وتوجيه المرضى، الا انها تبقى عاجزة عن احتواء العدد الكبير للمرضى النفسانيين.

وتشكل التكلفة المالية تحدياً جوهرياً. وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين استشارة الطبيب النفسي (وهو طبيب مختص) واستشارة الأخصائي النفسي؛ إذ يوضح الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS) -عبر موقعه الإلكتروني- أن زيارات الأخصائيين النفسيين لا تخضع للتعويض في إطار نظام التغطية الصحية الإجبارية (AMO). وبشكل عام، تعتمد عمليات تعويض الخدمات الطبية المشمولة بالتغطية على "تعريفة مرجعية"؛ وهو ما قد يترتب عليه تحمل المريض لنفقات إضافية كبيرة في حال كانت الأتعاب الفعلية التي يتقاضاها الممارسون أعلى من تلك التعريفة.

وفي هذا السياق، تكتسب دعوة الأخصائيين النفسيين لتوسيع نطاق التغطية الصحية أهمية بالغة. كما تطالب هيئتهم المهنية بوضع إطار تنظيمي أكثر وضوحاً، وتكثيف برامج التكوين المستمر، وضمان مشاركة فعلية في صياغة السياسات العامة؛ وذلك بهدف ضمان تقديم خدمات ذات جودة عالية مع تيسير الوصول إليها.

كما ينبغي إيلاء الأهمية للوقاية في مختلف الأوساط، كالمؤسسات التعليمية والجامعات وأماكن العمل. وتتمثل بعض الخطوات العملية في هذا الصدد في توفير آليات للاستماع السري، وتدريب الكوادر المعنية على رصد الصعوبات النفسية، وتوجيه الأفراد نحو المختصين. ويجب أن يراعي هذا النهج تجنب التشخيصات العشوائية أو غير المدروسة، مع الحرص التام على حماية خصوصية الأفراد وسرية بياناتهم.

ومن القضايا الجوهرية الأخرى: استمرارية الرعاية. فإجراء استشارة أولية لا يكفي إذا اضطر المريض لاحقاً إلى التخلي عن المتابعة بسبب نقص الموارد أو عدم توفر الخدمات. وينبغي أن يجمع مسار الرعاية -وفقاً للاحتياجات- بين العلاج الطبي، والدعم النفسي، والمساعدة في إعادة الاندماج في الوسط الدراسي أو الاجتماعي أو المهني.

هذا، وتحتاج الأسر أيضاً إلى الحصول على المعلومات والدعم، شريطة ألا يحل دورها محل دور المختصين أو يؤثر على قرارات المريض. ويجب أن تراعي مشاركتها موافقة المريض وحقوقه وخصوصيته، وذلك تماشياً مع "النهج المتمحور حول الفرد" الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية.

الى ذلك، سيُقاس نجاح هذه الخطة بمدى سرعة الحصول على الاستشارة، وتوفر فرق العمل، والتكلفة الفعلية التي تتحملها الأسر. ويكمن التقدم الحقيقي في القدرة على الحصول على الاستشارة في الوقت المناسب وبالقرب من مكان السكن، دون أن تشكل التكلفة المالية عائقاً يضطر المريض بسببه إلى التخلي عن الرعاية.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا