إدماج البعد البيئي في السياسات الحضرية بمدينة كلميم: نحو بدائل أكثر نجاعة

إدماج البعد البيئي في السياسات الحضرية بمدينة كلميم: نحو بدائل أكثر نجاعة
بقلم: عبد اللطيف الصافي 17 أبريل 2026

تُقدَّم اتفاقية إحداث فضاء بيئي وترفيهي بمدينة كلميم بوصفها خطوة نوعية في اتجاه تحسين جودة العيش وتعزيز الجاذبية السياحية وإدماج البعد البيئي في السياسات الحضرية. وهي، من حيث المبدأ، مبادرة تستجيب لحاجيات متزايدة لساكنة المدينة، وتنسجم مع التحولات التي تعرفها مقاربات التنمية الترابية القائمة على الاستدامة والتكامل. غير أن التدقيق في أحد أهم محددات هذا المشروع، وهو موقع إنجازه، يكشف عن مفارقة واضحة بين طموح الأهداف وطبيعة الاختيارات المعتمدة.

فقد تم الحسم في إقامة المشروع داخل النسيج الحضري الكثيف، وهو اختيار يمنح امتياز القرب وسهولة الولوج، لكنه في المقابل يطرح كلفة عقارية مرتفعة قد تستنزف جزءًا كبيرًا من الغلاف المالي المخصص، والمقدر ب 144 مليون درهم. كما أن محدودية المجال داخل المدينة قد تقيد الطموح الإيكولوجي للمشروع، وتحوله من فضاء بيئي متكامل إلى مجرد تهيئة حضرية محدودة الأثر، فضلًا عن التعقيدات القانونية والإجرائية المرتبطة باقتناء العقارات أو نزع الملكية.

في المقابل، تبدو البدائل المجالية المتاحة، وعلى رأسها المناطق المحاذية لجبل تيرت، أكثر انسجامًا مع طبيعة المشروع وأهدافه. فهي توفر وعاءً عقاريًا واسعًا بكلفة أقل، وتزخر بمؤهلات طبيعية تسمح بإقامة مشروع بيئي حقيقي، قابل للتوسع، وقادر على خلق دينامية سياحية جديدة. كما أن هذا الخيار من شأنه أن يخفف الضغط عن مركز المدينة، ويساهم في إعادة توزيع الاستثمار بشكل أكثر توازنًا.

غير أن النقاش حول بدائل الموقع لا ينبغي أن يظل محصورًا بين “مركز المدينة” و”المجال المحيطي”، بل يقتضي توسيع زاوية النظر لتشمل إمكانيات قائمة داخل المدينة نفسها، وفي مقدمتها كورنيش واد أم العشار، الذي يمثل موردًا مجاليًا غير مستثمر بالشكل الكافي. فهذا الفضاء، بحكم امتداده داخل النسيج الحضري، يمكن أن يتحول إلى رئة بيئية وترفيهية حقيقية إذا ما تم تأهيله وفق رؤية مندمجة.

إن إعادة الاعتبار لكورنيش واد أم العشار لا تعني مجرد تجميله، بل تحويله إلى مشروع حضري متكامل يقوم على إحداث مسارات للمشي والجري ومختلف الرياضات، وتهيئة فضاءات خضراء، وإدماج مرافق ثقافية وترفيهية خفيفة، مع تحسين جودته البيئية عبر معالجة إشكالات النظافة والتلوث واعتماد حلول مستدامة. مثل هذا التوجه من شأنه أن يحقق مردودية سريعة، بحكم اندماجه في النسيج الحضري وقربه من الساكنة، وبكلفة أقل بكثير مقارنة بإحداث مشروع جديد يتطلب تعبئة وعاء عقاري كبير.

إن الإشكال المطروح، في عمقه، لا يتعلق فقط بالمفاضلة بين مواقع، بل بطبيعة القرار الترابي ومدى استناده إلى معايير النجاعة والجدوى. فالمشاريع العمومية الكبرى تقتضي اعتماد مقاربات دقيقة تقوم على تحليل الكلفة والمنفعة، ودراسة بدائل متعددة، وإشراك الفاعلين المحليين والخبراء في بلورة الاختيارات. غير أن ما يطفو إلى السطح هو غياب واضح لهذا النفس المقارن، بما يطرح تساؤلات حول جودة الحكامة الترابية.

كما أن تركيز استثمار بهذا الحجم في قلب المدينة يعزز منطق التمركز، ويحدّ من فرص تحقيق العدالة المجالية، في حين أن توجيه جزء من هذا الاستثمار نحو المجال المحيطي أو نحو تأهيل فضاءات قائمة ككورنيش واد أم العشار كان من شأنه أن يخلق توازنًا أفضل، ويؤسس لدينامية تنموية أكثر شمولًا.

ولا يقل أهمية عن ذلك، التناقض القائم بين الخطاب البيئي للمشروع وطبيعة تموقعه. فإحداث فضاء إيكولوجي داخل مجال حضري محدود يصعب أن يحقق الأثر البيئي المنشود، مقارنة بمشروع يُنجز في مجال طبيعي مفتوح أو عبر تأهيل منظومات قائمة كالوادي ومحيطه.

إن ما يهدد هذا المشروع، في حال استمر على نفس المنوال، ليس فقط تضخم الكلفة أو تعقيدات التنفيذ، بل أيضًا فقدانه لهويته الأصلية، وتحوله إلى استثمار محدود الأثر. وهو ما يستدعي إعادة التفكير في الاختيارات الحالية، ليس من باب الرفض، بل من منطلق الحرص على تحقيق أفضل مردودية ممكنة للموارد العمومية.

وفي هذا الإطار، يبرز خيار اعتماد مقاربة مزدوجة كحل عملي ومتوازن: تقوم من جهة على تأهيل كورنيش واد أم العشار وتحويله إلى فضاء حضري نابض بالحياة، ومن جهة أخرى على إحداث متنزه إيكولوجي كبير بالمجال المحيطي، خاصة بمحاذاة جبل تيرت. هذه المقاربة تتيح الجمع بين القرب والاتساع، وبين الكلفة المعقولة والأثر المستدام.

خلاصة القول، إن الرهان الحقيقي لا يكمن في إطلاق المشاريع بقدر ما يكمن في حسن اختيارها وتوجيهها. فكلميم تتوفر على إمكانات مجالية حقيقية، لكن استثمارها يظل رهينًا بقرارات ترابية رشيدة، قادرة على تحقيق التوازن بين الكلفة والنجاعة، وبين الحاضر واستشراف المستقبل.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا