حين يُستباح القلم… فمن يحمي هيبة الصحافة؟
لم تعد الصحافة، في بعض المشاهد التي تتكرر كلما انطلقت فعاليات موسم، او أسدلت ستائر مهرجان، تشبه تلك المهنة التي كانت للكلمة فيها حرمتها، وللقلم هيبته، وللحقيقة مكانتها. فقد تسللت إلى المشهد، في السنوات الأخيرة، ظاهرة مقلقة، حتى أصبح بعض المتطفلين يتعاملون مع الصحافة كما لو كانت موسماً من المواسم؛ يظهرون حيث تكثر الأضواء، وتتعدد الدعوات، وتزدحم المنصات، ثم ينصرفون بانصراف الاحتفال وانطفاء الكاميرات.
وفي المهرجانات والمواسم، تتجلى هذه الظاهرة بصورة أكثر وضوحاً؛ ميكروفونات تتكاثر، وصفحات تتناسل، وأسماء تتقدم إلى الواجهة، حتى بات المشهد أحياناً يوحي بأن كل من حمل ميكروفوناً أصبح صحافياً، وكل من فتح صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي صار مؤسسة إعلامية، وكل من التقط صورة في الصفوف الأمامية بات يتحدث باسم "الجسم الصحافي".
وهنا يحق لنا أن نسأل، بكل هدوء وصرامة: متى أصبح الميكروفون كافياً لمنح صاحبه صفة الصحافي؟ ومتى صار الحضور في المهرجانات بديلاً عن التكوين والمهنية وأخلاقيات المهنة؟
فالصحافة ليست بطاقة تُعلّق على الصدر، ولا ميكروفوناً يُرفع في وجه مسؤول، ولا صورة تُلتقط تحت أضواء المنصات، ولا صفحة إلكترونية تُفتح عند الحاجة. الصحافة معرفة وتكوين، ومهنية ومسؤولية، وأخلاق واستقلال، وقبل ذلك كله أمانة تجاه القارئ والمجتمع والحقيقة.
لم يترك المشرّع المغربي مهنة الصحافة سائبة بلا إطار قانوني؛ فقد جاء القانون رقم 88 .13 المتعلق بالصحافة والنشر ليحدد القواعد المتعلقة بممارسة مهنة الصحافة والنشر، وشروط مزاولتهما، وحقوق الصحافيات والصحافيين والمؤسسات الصحافية وضمانات لممارسة المهنة، فضلاً عن القواعد المتعلقة بأخلاقياتها. كما يعرّف القانون الصحافة باعتبارها مهنة جمع الأخبار والمعلومات والوقائع والتحري والاستقصاء عنها بطريقة مهنية، قصد إنجاز مادة إعلامية ونشرها للعموم.
والعبارة الحاسمة هنا هي: "بطريقة مهنية".
فالمهنية ليست زينة تُضاف إلى صفة الصحافي، وإنما هي جوهرها. ولهذا فإن حماية المهنة من التطفل ليست تضييقاً على حرية التعبير، ولا مصادرة لحق أحد في إبداء رأيه، وإنما هي دفاع عن الحدود الفاصلة بين ممارسة صحافية مسؤولة، وبين استعمال اسم الصحافة غطاءً لممارسات لا تمت إلى أخلاقياتها بصلة.
كما أن القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين وضع إطاراً واضحاً للصفة المهنية، وميز بين الصحافي المهني المحترف، والصحافي الحر، والصحافي المتدرب، بما يؤكد أن صفة الصحافي المهني ليست لقباً اعتباطياً يوزع في المهرجانات أو يمنح بمجرد حمل ميكروفون.
أما القانون رقم 90.13 القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة، فقد أسند إلى المجلس مهمة الحرص على صيانة المبادئ التي يقوم عليها شرف المهنة، والتقيد بميثاق أخلاقيات المهنة والقوانين والأنظمة المتعلقة بمزاولتها، مع ضمان حق المواطن في إعلام حر ومتعدد وصادق ومسؤول ومهني.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
حين تتحول بعض المهرجانات والمواسم إلى فضاءات تتكاثر فيها الصفات الصحافية دون ممارسة مهنية حقيقية، يصبح المشهد الإعلامي شبيهاً بسوق تختلط فيه المهنة بالادعاء، والحقيقة بالمصلحة، والكلمة بالمساومة.
والأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالتطفل على المهنة، بل يتحدثون باسم "الجسم الصحافي" وكأنهم أوصياء عليه، في حين أن الصحافيين المهنيين لا يحتاجون إلى من ينتحل صوتهم؛ لأن تاريخهم المهني، وأعمالهم، وأخلاقهم، وممارستهم اليومية هي التي تمنحهم الشرعية.
إن الصحافة التي تستحق اسمها لا تدخل المهرجان بحثاً عن منفعة، ولا تحمل الميكروفون انتظاراً لمقابل، ولا تجعل من الدعوة مناسبة للمساومة، ولا من التغطية وسيلة للضغط. تدخل لتسأل، وتنقل، وتوثق، وتراقب، وتكشف، وتنصف، وتضع أمام القارئ ما يحدث كما هو، لا كما يرغب البعض في أن يكون.
أما حين يصبح القلم ورقة ضغط، والكلمة وسيلة للمساومة، والحضور الإعلامي طريقاً إلى المنفعة، فإن المهنة تكون قد فقدت شيئاً ثميناً من روحها.
فالابتزاز لا يبدأ دائماً بطلب صريح؛ قد يبدأ بتلميح، أو بإشارة، أو بتغطية مشروطة، أو بصمت يُشترى، أو بكلمة تُحجب لأن صاحبها لم يحصل على ما يريد. وهنا تتحول الصحافة من سلطة أخلاقية تراقب وتساءل إلى أداة ضغط تبحث عن مكاسبها الخاصة.
وهل هناك أخطر على الصحافة من أن يصبح القلم قابلاً للمساومة، وأن تصبح الحقيقة قابلة للتفاوض؟
إن كثرة المتطفلين لا تضر بهم وحدهم، بل تسيء إلى كل صحافي مهني اختار هذه المهنة عن قناعة، وتكوّن لها، واحترم قواعدها، وتحمل مسؤولية الكلمة. فالصحافي المهني يجد نفسه أحياناً مضطراً إلى الدفاع عن صورته بسبب سلوك أشخاص لا يمثلونه، ولا يمت إلى تجربته المهنية بصلة.
ومن المؤسف أن تتحول بعض المهرجانات إلى ما يشبه موسماً للميكروفونات؛ يتقدم فيه من يملك أعلى صوت، أو أكثر جرأة، أو أكثر قدرة على اقتناص الامتيازات، بينما يتراجع السؤال المهني إلى الخلف.
لكن الصحافة ليست سباقاً على الصفوف الأولى.
إنها مهنة تُقاس بعمق السؤال، ودقة المعلومة، ونزاهة المعالجة، واحترام أخلاقيات المهنة، والقدرة على قول الحقيقة حتى حين تكون الحقيقة غير مريحة.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس مزيداً من الميكروفونات، وإنما مزيداً من المهنية؛ وليس المزيد من الألقاب، وإنما المزيد من التكوين والمسؤولية؛ وليس فتح المجال أمام كل من أراد أن يقدم نفسه صحافياً، وإنما ترسيخ التمييز الواضح بين من يمارس المهنة وفق قواعدها ومن يتخذ اسمها مطية لمصالحه.
فالصحافة لا تُحمى بكثرة من يحملون اسمها، وإنما تُحمى بمن يعرفون قدرها.
ولا ينبغي أن تتحول المهرجانات والمواسم، بما تحمله من قيمة ثقافية وفنية واجتماعية، إلى فضاءات تستباح فيها هيبة المهنة أو تُختبر فيها قدرة البعض على الضغط والمساومة. فالمهرجان مناسبة للثقافة والفن والفرجة، وليس سوقاً مفتوحاً للمتاجرة بالصفة الصحافية.
وإذا كانت حرية الصحافة حقاً مكفولاً، فإن المسؤولية المهنية والأخلاقية تظل الوجه الآخر لهذا الحق. فالقانون لا يحمي الصحافة لكي تتحول إلى فوضى، وإنما يؤطر ممارستها في إطار من الحرية والتعددية والمسؤولية، ويضع للمهنة قواعدها وحدودها وأخلاقياتها.
لقد آن الأوان لأن نستعيد للصحافة معناها قبل أن تضيع بين كثرة الميكروفونات وقلة المهنية.
آن الأوان لأن نعيد للقلم وقاره، وللكلمة حرمتها، وللصحافي المهني مكانته، وأن نقول بوضوح إن الصحافة ليست باباً للارتزاق، ولا وسيلة للضغط، ولا موسماً ينتعش مع المهرجانات وينطفئ بانطفائها.
فحين يصبح الجميع صحافيين، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
من يحمي الصحافة حين يُستباح القلم، وتُختزل المهنة في ميكروفون، وتتحول بعض المنابر إلى سوق للمساومة، ويتكاثر المتطفلون عند أبواب المهرجانات؟
ومن يحمي هيبة مهنة كان شرفها في استقلال الكلمة، فإذا ببعضهم يجعل منها تجارةً تُساوَم فيها المواقف وتُشترى فيها الصمت؟






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس