بين الشكّ والحقيقة: ملفات آسفي الساخنة… حين يتحول التحقيق الصحفي إلى ميزان للعدالة

بين الشكّ والحقيقة: ملفات آسفي الساخنة… حين يتحول التحقيق الصحفي إلى ميزان للعدالة
بقلم: المصطفى شقرون 02 أبريل 2026

تتسارع الأخبار، وتتشابك الروايات بين الواقع والإشاعة، فتبرز الحاجة إلى صحافةٍ مسؤولة لا تكتفي بالنقل، بل تتجاوز ذلك إلى التمحيص والتدقيق.

 مدينة آسفي، بتاريخها العريق ونبضها الاجتماعي المتنوع، ليست بمنأى عن هذه الظاهرة، حيث تتداول ملفات واتهامات تمس أشخاصا ومؤسسات، بعضها قد يكون له أساس، وبعضها الآخر لا يعدو أن يكون ظلالا تلقى على جدران الحقيقة. ومن هنا، يصبح لزاما على الصحفي المهني أن يتحرك لا بدافع الاتهام، بل بدافع البحث عن الحقيقة، مستنيرا بقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾.

كيف يمكن للصحافة أن تتناول الملفات الساخنة بمدينة آسفي بموضوعية ومسؤولية، فتفصل بين الإشاعة والحقيقة، وتحمي الأفراد من التشهير، وفي الوقت ذاته تساهم في كشف الاختلالات إن وجدت؟ وأين يقف الحد الفاصل بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في قرينة البراءة؟

إن الخوض في الملفات الحساسة ليس بالأمر الهين، بل هو مسار دقيق يتطلب أدوات منهجية صارمة، وأخلاقيات مهنية عالية. فالصحفي، في هذا السياق، لا يكون قاضيا يصدر الأحكام، ولا مدعيا يوجه الاتهامات، بل باحثا يسائل الوقائع ويقاربها من زوايا متعددة.

أولا، يجب الانطلاق من مبدأ الشك المنهجي، لا الشك العدمي، أي الشك الذي يقود إلى البحث لا إلى التشكيك في كل شيء. هذا الشك هو الذي يدفع إلى جمع المعطيات، الاستماع إلى مختلف الأطراف، والاطلاع على الوثائق إن وجدت، بعيدا عن الانسياق وراء ما يتداول في المقاهي أو على منصات التواصل الاجتماعي.

ثانيا، إن تداول أسماء أشخاص، ومنهم امرأة يشاع ارتباطها ببعض الملفات، يفرض حذرا مضاعفا. فالأصل في الإنسان البراءة، ولا يمكن تحويل الإشاعة إلى حقيقة بمجرد تكرارها. ومن هنا، فإن أي تناول إعلامي يجب أن يبنى على معطيات موثقة، لا على الظن، مع احترام الحياة الخاصة وكرامة الأفراد.

ثالثا، إن وظيفة الصحافة ليست فقط كشف الاختلالات، بل أيضا رفع الالتباس عن الأبرياء. فكثيرا ما تتحول الإشاعة إلى حكم اجتماعي قاسٍ، يلحق أذى معنويا قد يفوق في خطورته أي خطأ مفترض. لذلك، فإن التحقيق الصحفي الحقيقي هو الذي ينصف، لا الذي يدين.

رابعا، إن التطرق إلى هذه الملفات يجب أن يكون في إطار سلسلة من الدراسات والتحقيقات، تبنى على التدرج في الطرح، والتعمق في التحليل، وربط الجزئيات بسياقها العام، سواء كان اقتصاديا أو اجتماعيا أو قانونيا. فكل ملف ليس معزولا، بل هو جزء من منظومة تحتاج إلى قراءة شمولية.

وأخيرا، فإن الصحفي، وهو يفتح هذه الملفات، يضع نفسه أمام مسؤولية مزدوجة: مسؤولية أمام ضميره المهني، ومسؤولية أمام المجتمع. فلا مجال للتهور، ولا مكان للانتقائية، بل ميزان دقيق قوامه الحقيقة والعدل.

ليست الغاية من فتح ملفات آسفي إشعال الجدل، ولا تصفية الحسابات، بل إضاءة المساحات المعتمة بنور الحقيقة، في هدوء العارف ومسؤولية الملتزم. فحين تدار الكلمة بميزان العقل، ويتقدم التحقيق على الإشاعة، يصبح القلم أداة بناء لا معول هدم، وتتحول الصحافة إلى جسرٍ بين الواقع كما هو، والحقيقة كما يجب أن ترى.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا