قوارب الأندلس نحو سبتة.. حين يحاول الاستعراض صناعةَ "حق" لا يصنعه التاريخ

قوارب الأندلس نحو سبتة.. حين يحاول الاستعراض صناعةَ
محمد أعزوز 01 سبتمبر 2026

في نهاية الأسبوع الماضي، امتلأت مياه سبتة بعشرات القوارب القادمة من الأندلس، ترفع الأعلام الإسبانية وتطلق أبواقها، فيما سُمّي «أرمادا التضامن». مبادرة قُدّمت في البداية باعتبارها رسالة مدنية إلى سكان المدينة بعد أزمة الهجرة في نهاية يوليوز، وحملت شعارات من قبيل «متحدون من أجل سبتة، متحدون من أجل إسبانيا» و«كلنا سبتة». تحدثت التقارير عن نحو ستين قارباً في الوصول الأول، ثم ارتفع المشهد في العرض البحري إلى قرابة مئة بعد انضمام قوارب محلية، بينما رافقته في البر مسيرة دراجات نارية وأعلام وهتافات. غير أن ما جرى لم يكن نزهة بحرية عابرة، بل مسرحاً سياسياً مفتوحاً على خليج مدينة يوجد أصلًا حول وضعها نزاع لم يُغلق.

وبطبيعة الحال، لا أحد عاقل سيصف هذه القوارب بأنها أسطول حربي. فهي قوارب مدنية، ومن حق أصحابها أن يبحروا حيث شاؤوا. لكن المشكلة ليست في الخشب والمحرك، وإنما في الرسالة التي أُريد للقوارب أن تحملها. فالمنظمون لم يكتفوا بخطاب التضامن، بل ربطوا الرحلة صراحة بوحدة إسبانيا وسيادتها، وتحولت المناسبة سريعاً إلى شعارات من نوع «سبتة لا تُباع، سبتة تُدافع عنها» و«أنا إسباني»، بل إلى هتافات أحدّ مثل «الغزاة.. الطرد». وهكذا انزلق المشهد من «التضامن مع السكان» إلى استعراض سياسي أمام مدينة إفريقية تحت إدارة أوروبية، في لحظة توتر حدودي واجتماعي مكشوف.

وهنا يصبح المشهد مثيراً للسخرية السياسية أكثر مما هو مثير للإعجاب. فحين يحتاج واقعٌ ما إلى عشرات القوارب والأعلام والأبواق والكاميرات ونشيدٍ يُرفع من مكبرات الصوت كي يُعاد التأكيد عليه، فإن السؤال الطبيعي ليس: كم علماً رُفع؟ وإنما: لماذا كل هذا الاستعراض؟ القوارب لا تمنح السيادة، والأبواق لا تصنع التاريخ، وكثرة ترديد اسم «إسبانيا» لا تستطيع أن تمحو حقيقة أن سبتة تقع على الساحل الإفريقي، وأن تاريخها السابق على الوجود البرتغالي ثم الإسباني أعقد بكثير من الرواية المختصرة التي يُعاد تدويرها في كل أزمة.

والتاريخ هنا لا يحتاج إلى رتوش. دخلت سبتة تحت السيطرة البرتغالية سنة 1415، ثم انتقلت إلى التاج الإسباني في سياق خضوع البرتغال للحكم الإسباني، قبل أن تكرّس معاهدة لشبونة سنة 1668 بقاء المدينة تحت التاج الإسباني بعد استعادة البرتغال استقلالها. هذه وقائع موثقة، لا شعارات موسمية. أي أن رفع العلم الإسباني اليوم لا يجعل هذا المسار أبسط مما كان، ولا يحوّل احتلالاً أوروبياً طويلاً إلى «حقيقة أزلية» لمجرد أن قروناً مرّت. الزمن يراكم الأمر الواقع، لكنه لا يغسل الأصل، ولا يحوّل الجغرافيا الإفريقية إلى ملحق بديهي لشبه الجزيرة الإيبيرية.

والأغرب أن هذا الاستعراض يأتي في وقت عادت فيه قضية سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش بصورة مباشرة. فبعد أن جدد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي الحديث عن الحق التاريخي والجغرافي للمغرب في المدينتين، وعن مقاربة تقوم على الحوار والنفس الطويل، سارعت مدريد إلى إعلان أن السيادة «غير قابلة للنقاش»، وأن سبتة ومليلية «إسبانيتان»، بل «إسبانيتان جداً» بحسب بعض التصريحات الرسمية. وفي مثل هذا المناخ، يصعب النظر إلى عرض الأعلام في الخليج باعتباره مجرد التفاتة إنسانية بريئة من كل حمولة سياسية.

ثم إن السياق الذي اختير للمبادرة يزيد الرسالة وضوحاً. فأزمة نهاية يوليوز لم تكن نزهة حدودية صغيرة، بل تدفقاً غير مسبوق لآلاف الأشخاص نحو مدينة لا يتجاوز عدد سكانها عادةً خمسة وثمانين ألفاً، مع قتلى وجرحى وتوتر داخلي واحتجاجات محلية وخطاب يتراوح بين القلق المشروع والكراهية الصريحة. وحين تتحول «أزمة استقبال» إلى مناسبة لتثبيت رواية السيادة بالأعلام والأبواق، فإن التضامن يكف عن أن يكون تضامناً ويصير أداة سياسية. بل إن إسبانيا نفسها كانت قد عززت حضورها العسكري في المياه المحيطة، فإذا بالقوارب المدنية تأتي بعد ذلك لتؤدي وظيفة رمزية موازية: أن تقول للكاميرات إن المدينة ليست وحدها، وإن البحر «يوحد» الضفتين تحت علم واحد.

أما الإعلام الإسباني الذي يبالغ أحياناً في تضخيم كل إشارة مغربية، فالأجدر ألا يُرد عليه بالانفعال نفسه. الرد الأقوى هو وضع الأمور في سياقها. المغرب لا يحتاج إلى عشرات القوارب ليؤكد أن سبتة ومليلية جزء من ذاكرته الجغرافية والتاريخية، ولا يحتاج إلى مسيرات بحرية كي يثبت أن الملف موجود. الملف موجود منذ زمن، وستظل الجغرافيا والذاكرة الوطنية موجودتين مهما علت الضوضاء. بل إن المفارقة أن مدريد، كلما أرادت إقفال النقاش، اضطرت إلى إعادة فتحه خطابياً: مزيد من التصريحات عن «سلامة الأراضي»، ومزيد من المشاهد التي يُفترض أنها تغلق السؤال فإذا بها تدل على أن السؤال لم يُغلق.

ويمكن من هنا فهم جانب من تلك العصبية السياسية والإعلامية. المغرب لا يتحدث عن سبتة ومليلية باعتبارهما شعاراً موسمياً يُستخرج في كل صيف، وإنما باعتبارهما ملفاً ثابتاً في الوعي الوطني، يُدار رسمياً بمنطق الحوار والصبر الاستراتيجي لا بمنطق المغامرة. أما الاحتلال، مهما طال عمره، فلا يتحول تلقائياً إلى حق تاريخي لمجرد أن التقويم دار دورات كثيرة. والأمر الواقع لا يصبح حقيقة مقدسة لمجرد أن الإعلام كرره آلاف المرات. ومن يريد إقناع المغاربة بأن الصفحة قد طُويت، فعليه أولاً أن يفسر لماذا يُعاد إنتاج مشهد السيادة في كل أزمة حدود أو هجرة أو تصريح رسمي.

ولا يغيّر من جوهر المسألة أن بعض الشعارات خرجت من أفواه مدنية لا حكومية. فحين يُرفع علم المغرب في تظاهرة موازية فيُعتقل أصحابه، بينما تملأ الأعلام الإسبانية البحر والبر بوصفه أمراً طبيعياً، ينكشف التفاوت في معنى «التعبير». التضامن المعلن عن نفسه مدنياً ينتهي إلى رسم خط فاصل: علم مسموح به حتى التخمة، وعلم يُعامل كخدش في الرواية. وهذا وحده يكفي لنزع قشرة البراءة عن المشهد.

أما نحن في المغرب، فلا نحتاج إلى «أرمادا» ولا إلى مسرحيات بحرية ولا إلى مهرجانات أعلام. يكفينا أن نعرف أن التاريخ لا يُكتب بالأبواق، وأن السيادة لا تُقاس بعدد القوارب، وأن الحقوق في الذاكرة الوطنية لا تسقط بالتقادم. وقد يختلف الناس في الوسائل والتوقيت والحسابات الدبلوماسية، وهذا اختلاف مشروع في دولة تختار الحوار لا الصخب. لكن الثابت أن المغاربة لن يفرطوا في شبر يرونه من تراب وطنهم وحدوده التاريخية والجغرافية. وسيبقى ملف سبتة ومليلية مفتوحاً ما دام الاحتلال قائماً، مهما حاول البعض تحويل الأمر الواقع إلى قدر أبدي، ومهما اجتهدت القوارب في أن تصنع من الضجيج حقاً لا يصنعه التاريخ.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا