حركة صحراويون من أجل السلام... واشنطن تكسر احتكار البوليساريو
بعد أكثر من خمسة عقود من استمرار نزاع الصحراء وما رافقه من معاناة إنسانية وسياسية داخل مخيمات تندوف، برزت حركة صحراويون من أجل السلام باعتبارها مبادرة صحراوية مستقلة تدعو إلى مراجعة المسار الذي سلكه النزاع وتقييم حصيلته بواقعية ومسؤولية. وانطلقت الحركة من قناعة مفادها أن استمرار الوضع القائم لم يعد يخدم مصالح الصحراويين، وأن البحث عن حل سياسي توافقي أصبح ضرورة لإنهاء معاناة آلاف الأسر التي أنهكها الانتظار والوعود المؤجلة.
تأسست الحركة على يد شخصيات صحراوية ذات تجربة سياسية، يتقدمها السكرتير الأول الحاج أحمد باريكلى، وهو أحد القيادات السياسية والدبلوماسية السابقة في جبهة البوليساريو، إلى جانب نخبة من الأطر والفعاليات الصحراوية الموجودة في المخيمات والمهجر وموريتانيا والمغرب. وترفع الحركة شعار أن "السلام الناقص أفضل من الحرب العادلة"، معتبرة أن أي تسوية سياسية متوافق عليها، تحت رعاية الأمم المتحدة، تبقى أفضل من استمرار نزاع مفتوح لا رابح فيه ولا منتصر
ويعد الأخ محمد شريف، مسؤول العلاقات الخارجية بالحركة، أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية التي تعمل في صمت على التعريف برؤية الحركة لدى الفاعلين الدوليين، من خلال التواصل مع الحكومات والمنظمات الدولية ومراكز القرار، والتأكيد على أن هناك أصواتا صحراوية أخرى تؤمن بالحوار والواقعية وترفض احتكار التمثيل السياسي.
وتقوم فلسفة الحركة على مبدأ "لا غالب ولا مغلوب"، والدعوة إلى حل سياسي واقعي ودائم يحفظ كرامة الجميع ويطوي صفحة المعاناة، انسجاما مع جهود الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، ومن بينها القرار 2797، الذي يشجع على الدفع بالعملية السياسية نحو حل عملي ومستدام يقوم على التوافق.
وفي هذا السياق، يكتسي اللقاء الهام الذي جمع وفد الحركة الوازن بالممثل الدائم للولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أهمية سياسية كبيرة، لأنه يعكس انفتاح أحد أبرز الفاعلين الدوليين الاساسيين على الاستماع إلى مكونات صحراوية مختلفة تؤمن بالحوار والسلام. كما أن تصريح السفير الأمريكي بأن العالم ينبغي أن يصغي إلى هذه الأصوات يمنح الحركة زخما سياسيا وإعلاميا، ويعزز حضورها في النقاش الدولي حول مستقبل النزاع.
ويؤشر هذا اللقاء أيضا إلى أن مقولة بأن البوليساريو هي "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي" أصبحت محل نقاش متزايد في الأوساط الدولية، مع بروز فاعلين صحراويين يعبرون عن رؤى منطقية واقعية مختلفة. وهو ما يعكس تطورا في مقاربة الملف، يقوم على الإنصات إلى تعددية الأصوات الصحراوية، باعتبارها جزءا من أي مسار سياسي يروم الوصول إلى حل دائم ومقبول.
واليوم يجد الصحراويون أنفسهم أمام خيارين متباينين: خيار اصبح يتقلص مع الوقت يدعو إلى استمرار الصراع والتمسك بمنطق المواجهة، بما يعنيه ذلك من إطالة أمد معاناة اللاجئات في مخيمات تندوف، وخيار آخر يؤمن بالحوار والواقعية السياسية والبحث عن حل ممكن تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يتيح إنهاء حالة الجمود ويفتح آفاقا جديدة للأجيال القادمة.
ومن هنا تبرز أهمية وجود صوت سياسي يعبر عن الشرائح الواسعة من الصحراويين الذين أرهقهم الانتظار وخيبت آمالهم الوعود المتكررة، سواء داخل المخيمات بفيافي تندوف أو في الشتات أو في موريتانيا. فالتعددية في التعبير عن الرأي لا تمثل تهديدا للعملية السياسية، بل قد تشكل عاملا مساعدا لإثرائها وتقريب وجهات النظر، بما يخدم الوصول إلى تسوية سلمية ومستدامة.
خلاصة القول، تبدو المرحلة المقبلة فرصة أمام قيادة حركة صحراويون من أجل السلام لتعزيز تنظيمها الداخلي، وتوحيد صفوفها، والاستمرار في الدفاع عن أهدافها بثبات، مع توسيع حضورها داخل المخيمات والشتات وموريتانيا وبالأقاليم الصحراوية جنوب المملكة المغربية. كما أن الاستثمار في الإعلام أصبح ضرورة استراتيجية، من خلال إطلاق قناة تلفزية إلكترونية وإذاعة ومنصات رقمية قوية، حتى يصل صوت الحركة إلى كل بيت، وإلى كل "كهل" او "كهلة"، وكل شاب وشابة أينما كانوا، باعتبار أن كسب معركة الأفكار والتواصل لا يقل أهمية عن كسب التأييد السياسي والدبلوماسي.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس