من الراديو إلى الواتساب: كيف كسرت المنصات الرقمية حصار دعاية البوليساريو ووجهت الوعي الصحراوي نحو الحكم الذاتي

من الراديو إلى الواتساب: كيف كسرت المنصات الرقمية حصار دعاية البوليساريو ووجهت الوعي الصحراوي نحو الحكم الذاتي
بقلم: الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما 23 يونيو 2026

تأسست جبهة البوليساريو في ظروف إقليمية ودولية معقدة خلال سبعينيات القرن الماضي، مستفيدة من حالة الاحتقان التي عرفتها المنطقة ومن الدعم السياسي والإعلامي الذي وفرته لها بعض الأطراف المعادية للوحدة الترابية للمغرب. وقد انخرط في بداياتها عدد من الشباب المغاربة المتأثرين بالأفكار الثورية السائدة آنذاك، قبل أن تتحول إلى أداة تخدم أجندات خارجية وجدت في النزاع المفتعل حول الصحراء وسيلة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة.

ومنذ السنوات الأولى لنشأتها، سخرت ليبيا والجزائر إمكانيات إعلامية كبيرة لدعم خطاب البوليساريو، حيث فتحت أمامها الإذاعات الرسمية وخصصت لها منابر دعائية تبث بشكل منتظم رسائل سياسية تستهدف المغرب والمغاربة. كما تم إنشاء إذاعة خاصة بالجبهة لعبت دورا محوريا في نشر الدعاية المغرضة والتأثير على الرأي العام الصحراوي في مرحلة كانت تعرف ضعفا كبيرا في وسائل التواصل والوصول إلى المعلومة.

واعتمد هذا الإعلام على خطاب ماكر خبيث وشعارات "ثورية" وأغانٍ "مؤثرة" صيغت بعناية لاستمالة الشباب واستثارة العواطف، مستفيدا من طبيعة المجتمع الصحراوي الذي يعتمد بشكل كبير على الرواية الشفوية والاستماع أكثر من القراءة. وقد أشرف على هذه الحملات متخصصون في الإعلام التعبوي والدعاية السياسية، مما منحها قدرة كبيرة على التأثير خلال تلك المرحلة.

واستمر التفوق الإعلامي للبوليساريو منذ منتصف السبعينيات إلى أواخر التسعينيات، مستفيدا من محدودية وسائل الاتصال وصعوبة الوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومة داخل مخيمات تندوف. ورغم المجهودات الكبيرة التي بذلتها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة عبر الإذاعة الوطنية وإذاعتي العيون والداخلة وقناة العيون الجهوية، فإن تأثير هذه الوسائط ظل محدودا نسبيا بحكم طابعها الرسمي وطبيعة برمجتها وأنماط بثها التقليدية.

كما أن الحصار الإعلامي المفروض على سكان المخيمات حال دون وصول العديد من الرسائل الإعلامية الرسمية إلى الجمهور المستهدف، حيث لم يكن يُسمح إلا بتداول الرواية الرسمية التي تروج لها قيادة البوليساريو تحت الإشراف المباشر للمخابرات الجزائرية. ولم تتغير هذه المعادلة إلا مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة واتساب وفيسبوك وتيك توك، التي وفرت فضاءات شعبية مفتوحة للتواصل وتبادل الأخبار والآراء بعيدا عن أعين الرقابة التقليدية.

وكان تطبيق واتساب الأكثر حضورا وتأثيرا في الأوساط الصحراوية، بحكم انسجامه مع طبيعة المجتمع الحساني القائم على تداول الأخبار شفهيا، فأصبحت الرسائل الصوتية وسيلة فعالة لنقل المعلومة ومناقشة مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية والحقوقية....، مما جعل التطبيق يهيمن على جزء كبير من النقاشات اليومية شرق وغرب الجدار الأمني.

ومن بين أبرز الفضاءات التي برزت في هذا الإطار مجموعات متنوعة ذات منشأ سواء من داخل المخيمات او من الاقاليم الصحراوية، ومنها على سبيل المثال: "توضيح الأمور"، و"الشعب يريد الاستقلال"، و"الساقية الحمراء ووادي الذهب"، و"منتدى الحوار الصحراوي"، و"الحوار الوطني"، و"الخيمة"، و"خيمة أهل الصحراء"، و"تصفية الحسابات"، وغيرها من المنابر التي تحولت إلى ساحات للنقاش الحر وتبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا التي كانت تعتبر في السابق من المحرمات السياسية.

ومع اتساع هامش التعبير وتعدد المنصات، تراجع تأثير أجهزة الدعاية التقليدية التابعة للبوليساريو والجزائر، وأصبح بإمكان الصحراويين التعبير عن آرائهم بحرية أكبر. كما ساهمت إمكانية استخدام أسماء مستعارة وعدم الكشف عن الهوية الحقيقية في تشجيع المشاركة الواسعة، وهو ما صعّب مهمة المراقبة والمتابعة على أجهزة البوليساريو والمخابرات الجزائرية، وأدى إلى كسر العديد من الطابوهات التي ظلت قائمة لعقود.

وفي هذا السياق، شكّل ظهور حركة "صحراويون من أجل السلام" كبديل سياسي منعطفا بارزا، حيث وفرت الحركة إطارا تنظيميا وخطابا واقعيا منح الصحراويين الشجاعة والتحفيز للتحرر من الفكر الأحادي والصدح بآرائهم والجهر بالرأي البديل كشكل من أشكال النضال لتجاوز جدار الصمت. وقد ساهم هذا الحراك السياسي الذي تقوده الحركة في نزع الشرعية عن الرواية الرسمية الموجهة، مما منح الأصوات المعارضة سندا معنويا وقوة إضافية لتكثيف حضورها وتعميق نقاشاتها داخل المجموعات الافتراضية والمنصات الرقمية دون خوف من الملاحقة أو الرقابة.

وأصبحت هذه المنابر الرقمية بمثابة خيمة افتراضية يجتمع تحتها الصحراويون (الوحدويون والانفصاليون) للنقاش الصريح حول قضايا القيادة والتمثيلية والديمقراطية والمؤتمرات والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وملف حقوق الإنسان ودور الجزائر في إدامة النزاع. كما برز عدد من المحاورين والمؤثرين الذين اكتسبوا شهرة واسعة بفضل قدرتهم على الإقناع وتواصلهم المباشر باللهجة الحسانية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: فنجد المناضل خالسكو والكبير شيخ البدو والتيكتوكر أسعد الشرعي وولد الجنوب وسامي، الحاج ابراهيم، المارد المضري، ابراهيم اعمر، ولد العاصمة، والصحراوي والسباعي.....إلخ.

وخلال سنتي 2025 و2026 شهدت هذه المنصات زخما غير مسبوق من حيث عدد المتابعين وتنوع المحتوى، حيث ركزت على نقل صورة مباشرة عن واقع التنمية بالأقاليم الجنوبية للمملكة، والتعريف بمشاريع البنية التحتية ومستوى العيش والاستقرار الذي تنعم به الساكنة، كما ساهمت في تقديم مشروع الحكم الذاتي باعتباره حلا واقعيا وعمليا للنزاع. ولم يعد بإمكان قادة الرابوني في فيافي الحمادة احتكار المعلومة أو حجب الحقائق عن الصحراويين كما كان الحال في الماضي، بعدما أصبحت الأخبار والصور والفيديوهات واللقاءات المباشرة تصل إلى الجميع في الوقت نفسه، مما ضيق هامش المناورة أمام الخطاب الدعائي التقليدي.

واليوم تبدو وسائل التواصل الاجتماعي أحد أبرز العوامل التي أعادت تشكيل الوعي السياسي لدى الصحراويين، وفتحت المجال أمام تداول الرأي والرأي الآخر، وأسهمت في تقريب المسافات بين أبناء الصحراء داخل الأقاليم الجنوبية وفي مخيمات تندوف. ومع استمرار هذا الانفتاح الرقمي، تتعزز فرص التعريف بمشروع الحكم الذاتي وإبراز مزاياه السياسية والتنموية، بما يسمح للصحراويين بالاطلاع المباشر على الحقائق بعيدا عن الدعاية والتضليل، ويجعل المستقبل أكثر ارتباطا بالحوار الواقعي والتنمية والاستقرار في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا