متى يستفيق الضمير الإفريقي من لعنة حب الكراسي؟

متى يستفيق الضمير الإفريقي من لعنة حب الكراسي؟
بقلم: بوشعيب حمراوي 20 أبريل 2026

يا رب… كم من أرضٍ في إفريقيا باركتها بالخيرات، فحوّلها بعض البشر إلى خراب ودمار؟

وكم من شعوبٍ منحتها الذهب والماء والنفط والماس والحقول والبحار، فإذا بها تستيقظ كل صباح على الفقر والخوف والطوابير؟

وكم من أوطانٍ سكنت فيها أرواح الأنبياء والحكماء والمجاهدين، فإذا بها اليوم تُدار بعقلية القبيلة، وشهوة الحكم، وجنون الكرسي؟

يا رب… نخاطبك لا لأنك غائب، بل لأن الضمير غائب.

نخاطبك لأن إفريقيا لم تنقصها يوما الموارد والثروات، بل ينقصها الإنسان المسؤول. لا ينقصها التراب، بل ينقصها من يحترم من يسكن التراب. لا ينقصها التاريخ، بل ينقصها من يصنع مستقبلًا يليق بتاريخها.

لقد صار الكرسي في كثير من بقاع إفريقيا لعنةً أكثر منه مسؤولية. وصار المنصب عند بعض الحكام ميراثًا عائليًا، أو غنيمة حرب، أو تاجًا شخصيًا، لا عقدًا أخلاقيًا مع الشعب. يدخل إليه البعض باسم التحرير، ثم يخرج منه الوطن أسيرًا. يصل إليه البعض بشعارات العدالة، ثم يكتشف الناس أنهم سلّموا رقابهم لطغيان جديد.

كم من رئيسٍ دخل القصر فقيرًا، ثم خرجت البلاد أفقر منه. وكم من مسؤولٍ أقسم على خدمة الشعب، ثم قضى عمره في خدمة حاشيته؟. وكم من قائدٍ رفع راية الوطنية، ثم باع الموانئ والمناجم والثروات والقرار الوطني في أول مزاد دولي؟

يا شعوب إفريقيا… إن مشكلتكم ليست في قلة الإمكانيات، بل في كثرة من يتاجرون بها. ليست في ضعف القدرات، بل في قوة شبكات الفساد. ليست في غياب الشباب، بل في شيخوخة الأنظمة التي تخاف من كل وجه جديد، ومن كل عقل جديد، ومن كل صوت يقول: كفى.

لقد تحولت السياسة في دول كثيرة إلى مسرح كبير؛ الممثلون أنفسهم، الوجوه نفسها، الأكاذيب نفسها، والضحايا أنفسهم. انتخابات تُفصَّل على المقاس، معارضات تُروَّض، إعلام يُشترى، قضاء يُضغط عليه، وجماهير يُطلب منها التصفيق للجوع والصبر على الإهانة.

أي مأساة هذه؟.. قارة تُطعم العالم ولا تجد ما تطعم به أبناءها.. قارة تضيء مصانع الآخرين، وتعيش بعض مدنها في الظلام.. قارة تُصدّر المواد الخام، وتستورد حتى أبسط ما تصنعه الأيدي.

يا رب… إن بعض من جلسوا على الكراسي ظنوا أنها خُلقت لهم، وأن الشعوب مجرد أثاث سياسي يُستعمل عند الحاجة ويُهمَل بعد الانتخابات. نسوا أن الكرسي خشب أو جلد أو حديد، وأن الإنسان هو الأصل. نسوا أن التاريخ لا يرحم، وأن الشعوب قد تصبر طويلًا لكنها حين تستفيق تُسقط أصنامًا كانت تبدو أبدية.

ويا أفارقة… لا تنتظروا الخلاص من الخارج. الخارج لا يحبكم أكثر من ثرواتكم. لا الشرق ولا الغرب يبكي على معاناتكم، بل يتنافسون على خيراتكم ومواقعكم وأسواقكم. من يبيعكم السلاح لا يريد السلام، ومن يسرق معادنكم لا يريد لكم التنمية، ومن يدعم الفاسدين بينكم لا يريد لكم الحرية.

إن نهضة إفريقيا لن تأتي من مؤتمرات فخمة، ولا من خطابات منمقة، ولا من قروض تُثقل الأجيال القادمة. النهضة تبدأ حين يصبح المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وحين يخاف المسؤول من الشعب كما يخاف الشعب اليوم من المسؤول. تبدأ حين يُفتح الباب للكفاءات بدل أبناء الولاءات، وللخبراء بدل تجار الشعارات، وللشباب بدل محترفي البقاء الأبدي.

نعم، إفريقيا تحتاج إلى ثورة أخلاق قبل ثورة صناديق الاقتراع.

تحتاج إلى مدارس تُخرج مواطنًا لا تابعًا.

إلى إعلام يراقب لا يطبّل.

إلى قضاء يحكم بالقانون لا بالتعليمات.

إلى أحزاب تصنع القادة لا الأصنام.

إلى جيوش تحمي الحدود لا الكراسي.

إلى نقابات تدافع عن العمال لا عن الامتيازات.

إلى جامعات تنتج الفكر لا البطالة.

يا رب… إننا لا نطلب معجزة، بل نطلب يقظة. لا نطلب ذهبًا من السماء، بل نطلب أمانةً في الأرض. لا نطلب أن تغيّر الجغرافيا، بل أن تغيّر النفوس التي أفسدت الجغرافيا.

إن بعض الشعوب الإفريقية بدأت تفهم اللعبة. بدأت تسأل: أين ذهبت الثروات؟ لماذا نبقى متأخرين؟ لماذا يخاف الحاكم من الصحفي؟ لماذا ترتجف السلطة من طالب جامعي؟ لماذا يُمنع السؤال ويُكافأ النفاق؟

وهنا يبدأ الأمل.

فحين تسأل الشعوب… يرتبك الكرسي.

وحين تتعلم الشعوب… يضعف المستبد.

وحين تتوحد الشعوب… يسقط سماسرة الانقسام.

وحين تصر الشعوب… يولد فجر جديد.

يا أفارقة… لا تكرهوا أوطانكم بسبب من أساؤوا إدارتها. الوطن أقدس من الحكام، وأبقى من الأنظمة، وأعظم من الأحزاب. من حقكم أن تطالبوا، أن تنتقدوا، أن تحاسبوا، أن ترفضوا تحويل بلدانكم إلى ضيعات خاصة.

ويا من يجلسون على الكراسي… تذكّروا أن قبور السابقين مليئة بمن كانوا يظنون أن الحكم خالد. وتذكّروا أن أعظم إرث يمكن أن يتركه مسؤول ليس القصور، بل احترام الناس له بعد رحيله.

يا رب… أبعد عن إفريقيا شيطان الإنس الذي يعشق الكرسي أكثر من شعبه، ويحب السلطة أكثر من وطنه، ويخاف فقدان المنصب أكثر من خوفه من الحساب.

فقد أنزلت لنا من الآيات ما يطرد شيطان الجن..

وبقي على الشعوب أن تطرد شيطان الكرسي.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا