آسفي بين دجاجة بوكماخ وتقاسم المصالح: من يملك اللحم ومن يكتفي بالعظام؟
ليس من قبيل الصدفة أن تعود الذاكرة، بعد عقود طويلة، إلى مقاعد الدراسة الأولى، حيث تتشكل البذور الأولى للفكر والتحليل. هذا الصباح، وأنا أستحضر دروس الأستاذ أحمد بوكماخ، عادت إلى ذهني تلك القصة البسيطة في ظاهرها، العميقة في دلالاتها: قصة تقسيم الدجاجة.
مشهد تربوي صغير، في قسم ابتدائي بمدرسة مولاي يوسف سنة 1957، لكنه يحمل في طياته فلسفة كاملة في فهم توزيع المصالح والسلطة.
ومن هنا، لم يكن استحضار القصة مجرد حنين، بل مدخلا لقراءة واقع مدينة آسفي قراءة سوسيولوجية وفلسفية، حيث يتحول التقسيم الرمزي للدجاجة إلى مرآة تعكس كيفية تدبير الشأن المحلي.
إذا كان التقسيم في قصة بوكماخ قد تم بدهاء لصالح من "يعرف كيف يقسم"، فهل تعيش مدينة آسفي اليوم نفس المنطق؟
ومن يملك "اللحم" الحقيقي في هذا التقسيم؟
وهل سكان المدينة هم فعلا "الرأس"، أم أنهم مجرد حضور رمزي في معادلة تدار خلف الكواليس؟
حين نعيد قراءة القصة بمنهج سوسيولوجي، نجد أنها ليست مجرد حكاية للأطفال، بل نموذج مبسط لما يسميه علماء الاجتماع بـ "إعادة إنتاج السلطة عبر التوزيع غير العادل"”.
ذلك الشخص الذي قسم الدجاجة لم يكن عادلا، بل كان ذكيا في توظيف الرمزية: أعطى لكل طرف ما يبدو مناسبا له، لكنه احتفظ لنفسه بما له القيمة الحقيقية.
هذا النموذج، حين يسقط على واقع مدينة آسفي، يكشف عن بنية عميقة في تدبير المجال:
الرأس (سكان المدينة):
يفترض أن يكونوا مركز القرار، لأنهم أصل الشرعية، لكن حضورهم غالبا ما يكون رمزيا. يستدعون عند الحاجة (انتخابات، مشاورات شكلية)، ثم يتركون خارج دائرة الفعل الحقيقي.
العجوز (آسفي كمدينة):
المدينة نفسها، بتاريخها وذاكرتها، تعامل أحيانا ككيان يحتاج إلى "رعاية"، لكن دون استثمار حقيقي في إحيائها. تذكر في الخطابات، وتهمَل في الواقع.
الأجنحة (المرافق):
المرافق العمومية، التي يفترض أن تكون وسيلة إقلاع، تتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد هياكل بدون روح. جناحان لا يطيران، بل يستخدمان لإعطاء الانطباع بوجود حركة.
الباقي (جوهر الثروة):
هنا تكمن الإشكالية الكبرى. من يحتفظ بالباقي؟
إنه ذلك "الفاعل الخفي" الذي يعرف كيف يقسم: قد يكون مستثمرا، أو شبكة مصالح، أو من يملك القدرة على توجيه القرار.
وهذا ما يسميه كارل ماركس ب "التحكم في وسائل الإنتاج"، حيث لا تقاس السلطة بما يعلن، بل بما يحتفظ به.
من زاوية فلسفية، يمكن ربط هذا الوضع بتحليل إيمانويل كانط حول "الغاية والوسيلة"، حيث يتحول الإنسان من غاية في ذاته إلى مجرد وسيلة في مشروع أكبر.
فهل أصبح المواطن في آسفي وسيلة لتبرير قرارات لا يشارك في صنعها؟
إن المشكلة ليست في التقسيم في حد ذاته، بل في غياب الشفافية والمعايير العادلة.
فالتقسيم العادل يفترض وضوحا في المعايير، ومشاركة حقيقية في القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لكن حين يتحول التقسيم إلى لعبة ذكية لإرضاء الجميع ظاهريا، وإقصائهم فعليا، فإننا أمام نموذج يعيد إنتاج التفاوت، ويفرغ المفاهيم من محتواها.
قصة دجاجة أحمد بوكماخ لم تكن درسا في الحساب، بل درسا في فهم العالم.
وآسفي، اليوم، ليست في حاجة إلى من يقسم لها "الدجاجة"، بل إلى من يعيد النظر في منطق التقسيم ذاته.
فالمدن لا تنهض بالشعارات، ولا بالرموز، بل بعدالة التوزيع، وصدق النوايا، ووضوح المسؤوليات.
وحين يدرك "الرأس" أنه ليس مجرد رأس، بل عقل يفكر ويقرر، آنذاك فقط، سيتغير شكل الدجاجة… وربما يتغير من يقسمها.
* صحفي مهني ومدير نشر جريدة الحكمة بريس






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس