البوليساريو ....بين طموحات الصحراويين وحسابات الجزائر

البوليساريو ....بين طموحات الصحراويين وحسابات الجزائر
الدكتور: عبد القادر الحافظ بريهما 17 مارس 2026

نشأت جبهة البوليساريو في سياق تاريخي معقد، لكن الوقائع الثابتة تكشف أن مؤسسيها الأوائل كانوا في الأصل مغاربة، ينحدر أغلبهم من أسر مقاومة معروفة في الجنوب المغربي، وتلقوا تعليمهم في المدارس والجامعات المغربية. وفي بدايات حراكهم السياسي خلال مظاهرات مدينة طنطان رفعوا شعارا وطنيا مغربيا واضحا هو: "الصحراء حرة وإسبانيا برا"، وهو شعار يعكس في جوهره امتدادا طبيعيا للحركة الوطنية المغربية ضد الاستعمار الإسباني. غير أن هذا المسار انحرف سريعا عندما دخلت حسابات إقليمية ضيقة حولت قضية تحرر إلى ورقة جيوسياسية تخدم أطرافا أخرى لا علاقة لها بمصالح الصحراويين.

لقد تأسست البوليساريو لاحقا بتنسيق واضح مع نظامي العقيد معمر القذافي والمقبور هواري بومدين، حيث وجدت الجزائر في هذه الحركة أداة استراتيجية لمناكفة المملكة المغربية وضرب استقرارها الترابي. ففتحت لها الأراضي الجزائرية في تندوف، وقدمت لها المال والسلاح والدعم السياسي والإعلامي، لتتحول الحركة تدريجيا من تنظيم يدعي الدفاع عن الصحراويين إلى ذراع تخدم أجندة إقليمية صاغتها القيادة الجزائرية ضمن صراعها الطويل مع المملكة المغربية.

دامت الحرب بين المملكة المغربية والبوليساريو ومن وراءها الجزائر ستة عشر عاما من النزاع المسلح، لكنها كشفت أيضا الطبيعة الحقيقية لقيادة الجبهة. فبدل أن تكون حركة تحرر ذات سجل نضالي نظيف، تحولت إلى جهاز قمعي داخلي مارس انتهاكات جسيمة في حق الآلاف من الصحراويين رجالا ونساء وأطفالا، سجنا وسحلا واعتقالا وقتلا واعداما خارج القانون. وقد أصبح رصيدها الحقوقي، في نظر كثير من الشهادات والوثائق، رصيدا دمويا مثقلا بالانتهاكات والتصفية الجسدية للمعارضين.

ومن أبرز الأمثلة التي يذكرها الصحراويون قضية الضحية بونا ولد العالم وغيره من أبناء الصحراء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لمعارضتهم لهيمنة القيادة المتشددة داخل البوليساريو. فالتاريخ الحقوقي للجبهة مليء بملفات القتل والتعذيب والاختفاء القسري، في وقت كانت فيه القيادة ترفع شعارات التحرير بينما تمارس القمع داخل المخيمات.

وتكشف شهادات متعددة عن صعود شخصيات مثيرة للجدل داخل أجهزة البوليساريو الأمنية، من بينها الجزائري سلازار أو محمد السنوسي، الذي تحول من مدرس بسيط في تندوف إلى أحد أبرز الوجوه المرتبطة بأجهزة القمع داخل الجبهة، متسلقا هرم السلطة عبر جهاز أمني ارتبط اسمه بملفات التعذيب والانتهاكات. كما أن كثيرا من التقارير تشير إلى أن عددا من المسؤولين عن التعذيب في المعتقلات كانوا جزائريين يعملون من تندوف، ما يعزز الانطباع بأن القرار الأمني داخل المخيمات ليس صحراويا خالصا بل موجها من الخارج.

وتشير شهادات ضحايا المخيمات إلى أسماء جلادين ارتبطت بممارسات قاسية داخل السجون السرية، من بينهم المقبور سويد أحمد البطل المدعو " البطيل"، حيث تؤكد الروايات أن السجون والمعتقلات كانت مفتوحة لكل صحراوي يجرؤ على معارضة القيادة الفاشلة العنصرية الرجعية للبوليساريو أو انتقاد هيمنة الجزائر على القرار السياسي للجبهة. والغريب في الأمر أنه لا يكاد يوجد جزائري واحد داخل تلك المعتقلات، بينما كان الضحايا في الغالب من الصحراويين أنفسهم.

وبعد أكثر من خمسين سنة من المعاناة تحت الخيام في حمادة تندوف، حيث يعيش الأطفال والنساء والشيوخ في ظروف لا إنسانية قاسية، بدأت أصوات جديدة تظهر داخل المجتمع الصحراوي تطالب بإنهاء هذا الجمود السياسي. ومن أبرز هذه المبادرات حركة "صحراويون من أجل السلام" التي برزت كتيار يدعو إلى حل واقعي للنزاع، قائم على المصالحة والتنمية بدل استمرار استغلال القضية لخدمة حسابات إقليمية ضيقة.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا