القرار الأممي 2817: محطة الوصول الأخيرة للمشروع الإقليمي الإيراني

القرار الأممي 2817: محطة الوصول الأخيرة للمشروع الإقليمي الإيراني
بقلم: البراق شادي عبد السلام 14 مارس 2026

يعد القرار الدولي رقم 2817 وثيقة مرجعية تعيد صياغة معادلات القوة والتوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، واضعاً المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية الممرات المائية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. وتكسب هذه الوثيقة أهمية جيوسياسية تضاهي القرارين المحوريين 242 و1701، لقدرتها على ترسيم حدود فاصلة بين حقبة "التنديد الدبلوماسي" ومرحلة "قواعد الاشتباك الصلبة" التي تحصن السيادة الوطنية لدول الخليج، بفضل توافق دولي واسع وتجنب "الفيتو الصيني والروسي «، حيث يؤسس مجلس الأمن لمنظومة أمنية متكاملة تعيد الاعتبار للردع القانوني في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار. حيث لا يكتفي القرار بالاستجابة الإجرائية، بل يهندس واقعا إقليميا ينهي الهشاشة الأمنية التي استغلها النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية لعقود، عبر نقل العبء الاستراتيجي إلى طهران. حيث، يصبح الأمن الجماعي مرتبطا بالالتزام بالقواعد الآمرة، مما يفتح آفاقا لاستقرار إقليمي مستدام قائم على المبادرة الدفاعية وترسيم حدود سيادية غير قابلة للاختراق ومن خلال القراءة الدقيقة للقرار الأممي تتبلور أمامنا ملامح المرحلة القادمة عبر أربع ركائز استراتيجية تعيد صياغة مفهوم السيادة والأمن الجماعي في المنطقة.

-          أولا تقويض استراتيجية الغموض ومسؤولية الدول عن الوكلاء:

يرتكز هذا المحور على إحداث تحول جوهري في الموقف الدولي عبر تحميل نظام الولي الفقيه المسؤولية القانونية الكاملة عن أفعال أذرعه العابرة للحدود، لا سيما ميليشيا الحزب في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، والميليشيات التابعة له في العراق وسوريا، وصولاً إلى العناصر والكيانات الفاعلة المرتبطة بمشروعه في منطقة الساحل والصحراء الكبرى وغرب إفريقيا. إن النص الصريح على وقف الهجمات، بما في ذلك تلك المنطلقة عبر هؤلاء الوكلاء، ينهي حقبة الاحتماء وراء كيانات غير رسمية ويضع "مركز العمليات" في مواجهة مباشرة مع التبعات الجنائية والسياسية، مما يجرد حروب الوكالة والتهديدات غير النمطية من فاعليتها الاستراتيجية؛ حيث ينتقل القرار من مربع "إدانة الفعل" إلى "محاسبة المحرك"، مما يسقط ورقة التملص السياسي بعد أن أصبحت طهران تدرك أن الفاتورة السياسية ستسدد مباشرة من رصيد سيادتها لا من رصيد الوكيل.

-         ثانيا تدويل حماية المضائق كضمانة للسيادة والأمن العالمي:

ينقل القرار ملف الملاحة في مضيق هرمز من إطار الابتزاز الإقليمي إلى حيز الالتزام القسري لجميع الدول باعتباره ركيزة للسلم الدولي. إن منح الشرعية الدولية للتحرك الاستباقي ضد أي محاولة لعرقلة تجارة الطاقة يحول الممرات المائية من أوراق ضغط سياسية إلى مناطق محمية بقوة القانون والإرادة الدولية المشتركة، مما يرسخ معادلة أمنية تربط استقرار البحار بالأمن القومي العالمي بصفة غير قابلة للتجزئة؛ حيث يعيد القرار تعريف المضائق من ممرات مائية خاضعة للجغرافيا السياسية إلى "شرايين حيوية عالمية"، مما يعني نهاية عصر الابتزاز بالطاقة وتحويل أمن البحار إلى مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الدول المشاطئة و هنا يبرز قد يعرف المشهد الجيوسباسي في المنطقة ظهور

" المفوضية الأممية لأمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز " لتكون هيئة دولية عليا تضمن تحييد الممر المائي عن الصراعات، وتتولى الإشراف التقني والميداني لمنع أي تهديدات تستهدف انسيابية حركة التجارة العالمية.

-          ثالثا انتقال مركز الثقل الدبلوماسي وانحسار المظلات الدولية التقليدية:

يعكس امتناع روسيا والصين عن التصويت وغياب حق النقض تجاه قرار يدين طهران صراحة تآكل التحالفات القديمة أمام خطر تهديد المصالح الكبرى. هذا الموقف يضع الأطراف المزعزعة للاستقرار في عزلة استراتيجية غير مسبوقة، ويثبت أن قواعد الاشتباك التي كانت تراهن على انقسام مجلس الأمن قد سقطت فعليا، مما يفتح الباب أمام مقاربات دولية أكثر حزما في إدارة ملفات المنطقة؛ حيث يعكس هذا الإجماع الضمني تغليب "المصالح العليا على التحالفات الجيوسياسية"، مما ينهي حالة الاستقطاب داخل مجلس الأمن ويترك القوى الخارجة عن القانون الدولي دون غطاء "الفيتو" التقليدي.

-         رابعا مأسسة "الردع الاستباقي" تحت مظلة المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة:

تتمثل هذه الركيزة في شرعنة الردع النشط، حيث تحول حق الدفاع عن النفس من مجرد رد فعل مؤقت إلى استراتيجية دفاعية مستدامة ومشروعة دوليا.  فإستناد القرار إلى هذا الإطار القانوني يمنح دول الخليج والأردن غطاء صلبا لتنفيذ عمليات وقائية ضد مصادر النيران ومراكز القيادة، مما يؤسس لنظام إقليمي جديد يعتمد على المبادرة وتفعيل مقتضيات السيادة الوطنية لحماية المنجزات التنموية؛ حيث يمنح القرار دول المنطقة "شرعية المبادرة"، محولا العقيدة العسكرية من الدفاع في العمق إلى إجهاض التهديد في منبعه، مما يوفر درعا دبلوماسيا وأخلاقيا يعزز مناخ الاستثمار والاستقرار طويل الأمد وفي هذا السياق، اعتقد أن هذا المسار يمهد لتشكل 'قوة أممية' تتجاوز الأطر التقليدية، لتصبح ذراعا تنفيذية عابرة للحدود تمتلك التفويض القانوني للتدخل الاستباقي وحماية الممرات السيادية. فمأسسة هذه القوة تحت مظلة القرار 2817 لا تنهي المشروع الإقليمي الإيراني فحسب، بل تنقل المنطقة من خانة 'الدفاع عن النفس' إلى قيادة 'منظومة أمن عالمية' تضمن استقرار تدفقات الطاقة والتجارة الدولية كشريك أصيل في صياغة الأمن القومي العالمي.

بناء على ما تقدم، نخلص إلى أن هذا التحول الأممي يرسخ معادلة وجودية تنهي زمن الإفلات من العقاب وتبني سياجا قانونيا حول المصالح القومية العليا، مما يضع النظام الإيراني وأدواته الإقليمية أمام خيارين لا ثالث لهما: الانصياع لقواعد النظام العالمي الجديد أو مواجهة تبعات العزلة الدولية والردع المباشر والتفكيك النهائي. فتلاحم الإرادة الدولية مع طموحات العواصم الخليجية والعربية في البناء والتحديث يحول المنطقة من ساحة للصراعات المفتوحة إلى منارة للازدهار المحمي بضمانات دولية، ليرسم بذلك معالم فجر إقليمي جديد يقوم على حرمة السيادة والحدود وقدسية المصالح الاقتصادية المشتركة بين القارات.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا