البوليساريو وقصّ الأجنحة: حين تضيق الدائرة على داعمي الانفصال

البوليساريو وقصّ الأجنحة: حين تضيق الدائرة على داعمي الانفصال
الدكتور: عبد القادر الحافظ بريهما 14 مارس 2026

بعد القرار الأممي 2797 بشأن الصحراء الداعم لمسار الحل السياسي لقضية الصحراء المغربية في إطار مبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها المملكة المغربية، بدأت ملامح مرحلة دولية جديدة تتشكل حول هذا النزاع الإقليمي الذي دام نحو نصف قرن. فالمقاربة الدولية الحالية لم تعد تكتفي بإدارة الأزمة، بل تتجه نحو البحث عن تسوية واقعية ودائمة تنهي حالة الجمود التي طبعت الملف لسنوات طويلة.

في هذا السياق برزت قراءة سياسية مفادها أن تحقيق تقدم حقيقي في هذا الملف يمر عبر ممارسة ضغوط متزايدة على الأطراف التي تدعم جبهة البوليساريو دبلوماسيا وسياسياً وعسكرياً، وفي مقدمتها الجزائر. فهذه المقاربة ترى أن إنهاء حالة الاستنزاف الدبلوماسي والعسكري يتطلب تقليص هامش المناورة لدى القيادة الفاشلة للبوليساريو، بما يدفع قادتها إلى الانخراط في مفاوضات أكثر واقعية حول مقترح الحكم الذاتي.

غير أن ما يلفت الانتباه في المرحلة الراهنة هو تزامن هذا التحول الدبلوماسي مع تغيرات جيوسياسية أوسع، حيث تتعرض بعض الدول التي كانت تعد من أبرز الداعمين لجبهة البوليساريو الانفصالية لضغوط سياسية واقتصادية متزايدة على الساحة الدولية. ويقرأ هذا التطور لدى بعض المراقبين باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإضعاف شبكات الدعم والإسناد التي اعتمدت عليها القيادة الفاشلة للبوليساريو طوال عقود.

ومن بين هذه الدول تبرز فنزويلا التي شكلت لسنوات أحد أبرز الحلفاء السياسيين للبوليساريو في أمريكا اللاتينية. غير أن التحولات الداخلية " اعتقال الديكتاتور مادورو" والضغوط الدولية التي تواجهها كاراكاس اليوم قلصت بشكل واضح من قدرتها على لعب الأدوار السابقة في دعم هذا الملف، وهو ما يصفه بعض المحللين بعملية "قص الأجنحة" لمساندي وداعمي قيادة الرابوني بالحمادة.

وفي السياق ذاته، تتجه الأنظار أيضاً إلى إيران التي كثيراً ما تتهم بدعم جماعات مسلحة في عدد من مناطق التوتر، بما فيها منطقة الساحل والصحراء. ومع تصاعد الضغوط الدولية عليها بسبب ملفات إقليمية متعددة في الشرق الأوسط، يرى بعض المتابعين أن أي تضييق على أدوارها الإقليمية سينعكس بدوره على شبكات الدعم غير المباشر لبعض الحركات الانفصالية المشبوهة.

كما أن البعد الأمني أصبح أكثر حضوراً في النقاش الدولي حول هذا النزاع، خاصة مع تزايد الحديث عن ارتباط بعض الشبكات في منطقة الساحل بأنشطة التهريب وبيع المساعدات وتجارة السلاح وتمويل الجماعات المسلحة. وإذا ما تم إثبات أي صلات بين هذه الأنشطة وبعض القيادات المرتبطة بالبوليساريو التي رآكم اغلب قادتها من الصف الأول إلى الصفوف الدنيا أموالا طائلة جراء هذه العمليات المشبوهة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام ضغوط دولية أكثر صرامة.

في ظل هذه التحولات تبدو جبهة البوليساريو أمام واقع سياسي جديد، حيث تتزايد الدعوات الدولية إلى تبني حل واقعي وقابل للتطبيق. وقد ظهرت خلال الأشهر الأخيرة مواقف متباينة داخل قيادات الجبهة، بين من يدعو يائسا إلى الاستمرار في خطاب الحرب والاستنزاف، ومن يحاول التمسك بخيار الاستفتاء رغم تراجع الدعم الدولي له.

في المقابل، يبدو أن القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية، تتجه نحو دعم تسوية سياسية تنهي هذا النزاع المفتعل وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في المنطقة من خلال تنزيل مشروع الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية سنة 2007 وتمت الموافقة عليه من طرف المنتظم الدولي سنة 2025. فاستقرار منطقة المغرب العربي والساحل لم يعد مجرد قضية إقليمية، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الدولي، وهو ما يفسر التحركات المتزايدة لإغلاق هذا الملف بعد عقود من التوتر.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا