الرهان الأمريكي على كردستان إيران: صمام أمان ضد الفوضى الإقليمية

الرهان الأمريكي على كردستان إيران: صمام أمان ضد الفوضى الإقليمية
بقلم: البراق شادي عبد السلام 09 مارس 2026

تتضارب الأنباء الميدانية حول طبيعة التحركات العسكرية على الحدود الغربية لإيران، حيث أوردت منصات إعلامية أمريكية مثل "نيويورك بوست" و"فوكس نيوز" تقارير بناء على مصادر استخباراتية تشير إلى وقوع توغل بري من قبل مجموعات كردية مسلحة، وعلى رأسها وحدات تابعة لحزب "الحياة الحرة الكردستاني" (PJAK) وقوات "صقور حرية كردستان" (PAK)، في تلك المناطق الوعرة. ومع تمسك الجهات الرسمية في أربيل وبغداد وطهران بنفي هذه الأنباء ووصفها بالمبالغات الإعلامية، تبرز أهمية هذه الجغرافيا الجبلية كعامل حسم في فصل الفوضى الداخلية الإيرانية عن محيطها الإقليمي، حيث تساهم السيطرة المفترضة لهذه التشكيلات على الممرات الاستراتيجية في عزل المركز عن أذرعه العسكرية الممتدة في العراق وسوريا وصولا إلى لبنان واليمن، مما يعزز من حماية ميكانيزمات السلام القائمة في غزة ويمنع انتقال شرارات التوتر إلى دول الجوار.

وفي حال ثبوت هذه السيطرة الميدانية، فإن تمركز مقاتلي "وحدات شرق كردستان" (YRK) في مساحات جبلية واسعة يطرح تحديات استراتيجية ترتبط بتنامي طموحات الانفصال في المنطقة وتأثير ذلك على استقرار الخرائط السياسية. وتضع هذه الوضعية المجتمع الدولي أمام موازنة دقيقة بين الرغبة في تحجيم نفوذ طهران وتأمين العالم من تداعيات انهيارها الأمني، وبين مخاطر نشوء واقع سياسي جديد قد يعيد رسم التوازنات في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل من "الورقة الكردية" أداة لضبط الصراع بقدر ما تمثل نقطة تحول قد تغير وجه المنطقة لسنوات طويلة.

ويأتي تأسيس "ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران" في هذا التوقيت الحرج كخطوة لتنظيم الزخم الميداني تحت مظلة موحدة، حيث برزت أسماء قيادية مثل سيامند معيني (الرئيس المشترك لحزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK)، وخالد عزيزي (المتحدث باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني PDKI)، وعبد الله مهتدي (الأمين العام لحزب كومله كوردستان إيران)، بالإضافة إلى بابا شيخ حسيني (الأمين العام لمنظمة خبات الكردستانية) كركائز أساسية لهذا التقارب. ويهدف هذا التنسيق بين مختلف الفصائل المتواجدة في المنطقة الحدودية إلى منح الحراك الكردي صبغة مؤسساتية تسمح له بالتعامل مع القوى الدولية كطرف فاعل ومنظم، بدلا من مجموعات متفرقة، مما يسهل عملية رسم الأدوار المستقبلية في حال استمر تراجع قبضة الدولة المركزية. وبذلك يصبح هذا الائتلاف حجر زاوية في أي ترتيبات أمنية تهدف إلى ملء الفراغ الناتج عن انحسار نفوذ النظام في أقاليمه الغربية، مستفيدا من الثقل الميداني لقادة مثل حسين يزدان بنا (رئيس حزب حرية كردستان PAK) الذي يمثل ذراعا عسكريا قويا ضمن هذه المعادلة السياسية الجديدة.

حيث يرتبط جدوى التدخل البري الكردي في سياق الأزمة الإيرانية الراهنة بمدى قدرة هذه الفصائل على تحويل الضغط العسكري عند الأطراف إلى تصدع سياسي في المركز، فبينما تشير تقارير صحفية إلى ملامح تحرك ميداني، يظل الرهان الحقيقي قائما على إمكانية استنزاف القدرات اللوجستية للنظام وتقييد حركة فصائل النظام من قوات الحرس الثوري ووحدات "حرس الحدود" وقوات "الباسيج" داخل حدودها الجغرافية.

وتذهب القراءة العميقة لما وراء هذه التحركات نحو اعتبار الوجود الكردي في مرتفعات جبال زاغروس بمثابة أداة لإعادة صياغة الدور الوظيفي لإيران في المنطقة، حيث يؤدي تفكيك الترابط الجغرافي بين طهران وامتداداتها الخارجية إلى تجريد النظام من ميزة المقايضة بالملفات الإقليمية المشتعلة، مما يضع المجتمع الإيراني أمام مواجهة مباشرة مع واقعه الداخلي دون إمكانية الهروب نحو جبهات خارجية لتخفيف الضغط. وبناء على ذلك، يصبح التدخل البري الكردي أداة ضغط سياسي تهدف إلى إحداث فراغ استراتيجي يجبر القوى الحاكمة على الانكفاء، ويمنح الحركات المدنية في الحواضر الكبرى فرصة للتحرك تحت حماية التشتت الأمني الذي تفرضه الجبهات المفتوحة عند الخواصر الرخوة للدولة، وهو ما يحول الجغرافيا الكردية من مجرد ساحة قتال إلى "مقص استراتيجي" يقطع خيوط النفوذ العابر للحدود ويحصر الصراع في إطاره الوطني الصرف.

 

ورغم الحذر الدولي المتصاعد من أن يتحول هذا المشروع إلى بذرة لكيان انفصالي قد يهدد ميكانيزمات الأمن الإقليمي ويعيد رسم خرائط الشرق الأوسط على أسس عرقية، إلا أنه يبرز اليوم كضرورة استراتيجية لا بديل عنها. ففي ظل التآكل المتسارع لسلطة الدولة المركزية في طهران، لم يعد الخيار بين "الاستقرار" و"الانفصال"، بل بين "الفوضى الشاملة" و"الإدارة المنضبطة" للأطراف.

وبالتالي تنبؤات انزلاق إيران نحو فوضى شاملة تحاكي تعقيدات الازمة السورية تفرض ضرورة استراتيجية لتأسيس منطقة امنية عازلة في الغرب الايراني بعمق يصل الى 150 كيلومتر من الحدود الدولية، إذ يمثل هذا الحزام قاطع اتصال جيوسياسي يمتد من مرتفعات دالاهو جنوبا الى جبال قنديل شمالا. ومن ثم فإن السيطرة على هذا النطاق تعني تحييد المراكز العصبية في محافظات كرمانشاه وكردستان واذربيجان الغربية وشل قدرات الوحدات الضاربة للنظام، بما في ذلك قاعدة بابا عباس الصاروخية في كرمانشاه وقاعدة حمزة سيد الشهداء التي تعد مركز الثقل العملياتي لفيلق النجف الاشرف وفيلق بيت المقدس، بالتوازي مع تجميد حركة اللواء 33 المهدي المحمول جوا في جهرم واللواء المهدي المدرع في ارومية وخوي.

وتأتي المعطيات الميدانية الموثقة في تقارير مراكز البحث المتقدمة لتعزز هذا التوجه؛ حيث رصدت الإحداثيات العسكرية، بين 3 و4 و5 مارس الجاري، سلسلة ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت بدقة مفاصل القمع والربط الاستراتيجي في الغرب الإيراني. فشملت العمليات تدمير "قاعدة وحدة رمضان" التابعة للحرس الثوري في محافظة كردستان، وهي القلب النابض للعمليات الخارجية نحو العراق، بالتوازي مع استهداف "لواء أمير المؤمنين الحادي عشر" في إيلام، و"قاعدة بانه"، لكسر الخطوط الدفاعية الأمامية. ولم يقتصر الاستهداف على القوة الخشنة، بل امتد ليشمل البنية التحتية للمراقبة عبر ضرب "مركز الشرطة 22 والشرطة السيبرانية " في كرمانشاه، و"محطة إنفاذ القانون رقم 13" في أذربيجان الغربية، مما يبرهن على مسعى حثيث لتجريد النظام من أدوات سيطرته على المكون الكردي وتحويل هذه المحافظات إلى منطقة عمليات مفتوحة تنهي قدرة طهران على ضبط حدودها الغربية.

في نفس السياق تكتسب المنطقة ثقلا اقتصاديا عبر السيطرة على مصفاة كرمانشاه وحقول النفط الحدودية مثل حقل نفت شهر وحقل تششمة خوش، الأمر الذي يحرم النظام من شريان طاقة حيوي ويمنع استغلال العوائد النفطية في تمويل العمليات العسكرية. كما أن هذا الحزام يساهم في حماية البنية التحتية وضمان عدم استخدام حقول النفط كأوراق مقايضة لتهديد استقرار اسعار الطاقة العالمية. وبناء عليه، فإن وضع اليد على المطارات العسكرية مثل مطار كرمانشاه ومطار سنندج ومطار ارومية ينهي فاعلية وحدات الطائرات المسيرة ويمنع استخدام مدن سنندج ومهاباد ومريوان وبوكان كمنصات لابتزاز الامن الاقليمي.

إضافة إلى ما سبق، فإن هذا الحزام الحصين يمثل نهاية عصر الجغرافيا المفتوحة امام التمدد الايديولوجي، حيث سيؤدي الى تجفيف منابع امداد الميليشيات العابرة للحدود وشل مخططات الحرس الثوري في تنشيط مسارح مواجهة جديدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وفي هذا السياق، تستمد المنطقة شرعيتها من نجاعة تجارب الادارة الذاتية السابقة التي اثبتت ان الاستقرار يبدأ من القاعدة الشعبية لا من الاوامر الفوقية المنهارة، لتتحول بذلك الى ملاذ انساني يمتص صدمات النزوح ويحمي امدادات الغاز والطاقة العالمية.

وفي ذات الإطار، تستلهم هذه الرؤية نجاحاتها من النماذج الإقليمية التي نشأت في ظروف مشابهة من تصدع الدول المركزية، حيث أثبتت مناطق الحماية الدولية والإدارات الذاتية قدرتها على كبح جماح الفوضى وتأمين العمق الجغرافي ضد الجماعات العابرة للحدود. إذ تقدم تجربة شمال سوريا وكردستان العراق دروسا عملية في كيفية تحويل الأطراف الرخوة إلى قلاع مستقرة قادرة على إدارة الموارد وحماية المدنيين، وهو ما قد يفرض واقعا ميدانيا يجبر القوى الكبرى على الاعتراف بها كشريك أمني موثوق. إن هذا المسار يستند إلى ثقل تاريخي وجغرافي يتمثل في جمهورية مهاباد المؤسسة في يناير من عام 1946 كأول كيان سياسي كردي حديث في الغرب الإيراني، والتي رغم عمرها القصير، لا تزال تشكل نموذجا ملهما للإدارة الذاتية وتجسيدا للهوية القومية القادرة على ملء الفراغ السيادي في لحظات التحول الكبرى.

لذا، فإن استنساخ هذا النموذج في الغرب الإيراني اليوم يتعدى كونه إجراء وقائيا، بل هو تطبيق لاستراتيجية التحجيم الجغرافي التي تهدف إلى عزل الحريق في المركز ومنع تمدده نحو الجوار الإقليمي، عبر إحياء كيانات محلية مستقرة قادرة على لجم طموحات التوسع الإيراني العابر للحدود. ومع ذلك، يظل هذا التحول محكوما بضرورة الموازنة بين الحقوق القومية وبين التمسك بالمبدأ العالمي الراسخ المتمثل في قدسية الوحدة الترابية للدول، مما قد يحول هذه المناطق إلى مناطق إدارة ذاتية مستقرة تمنع تحول الجغرافيا إلى مناطق فاشلة أمنيا، وتضمن في الوقت ذاته استقرار الخارطة الإقليمية ضمن أطر قانونية دولية معترف بها.

تتجه المواقف الدولية حيال هذا المشروع نحو صياغة معادلة استراتيجية بالغة التعقيد تتأرجح بين رغبة الحسم ومخاوف التحوط؛ حيث قد تتجاوز عملية الغضب الملحمي الأمريكية حدود الاستهداف العسكري لتتحول إلى أداة لتقويض أركان عقيدة التوسع الإيرانية، عبر شلل مراكز ثقل الحرس الثوري وتفكيك منظومة الردع الباليستي من جذورها. هذا المسار قد يمنح إسرائيل فرصة استراتيجية غير مسبوقة لإنهاء استراتيجية وحدة الساحات وكسر طوق النار التاريخي المحيط بها، خاصة إذا ما نجحت في تحويل مقرات القيادة في العمق الجغرافي، من طهران إلى أصفهان وكرمانشاه، إلى مناطق معزولة عسكريا. وفي المقابل، قد تعول دول الخليج العربي، التي اختبرت هشاشة أمن الطاقة العالمي في منشآت حقل منيفة ودبي والكويت، على هذا الحزام الأمني كدرع دفاعي هيكلي ينهي حقبة حرب المسيرات والصواريخ الجوالة، مما قد يمهد لتحويل الجغرافيا من ساحة لتصفية الحسابات عابرة للحدود إلى حائط صد جيوسياسي يمنع انزلاق المنطقة نحو الفوضى الشاملة.

وعلى الصعيدين الإقليمي والقاري، قد يرى الاتحاد الأوروبي في استقرار المناطق الغربية وتأسيس نماذج لإدارات ذاتية محلية صمام أمان استباقي وضرورة حتمية لمنع انفجار موجات لجوء مليونية قد تتدفق مع الانهيار الوشيك للبنية التحتية والخدمية في الداخل الإيراني. وبينما قد يفلح العراق في استثمار هذا التحول لفك ارتهانه التاريخي بالمركز الإيراني وتجنب سيناريوهات الانفجار المتبادل، قد تجد أذربيجان في هذا الحزام نافذة فرص تاريخية لتأمين ممر زانغيزور وتصفية حساباتها الجيوسياسية المعلقة في نخجوان. غير أن هذا المشهد الاستشرافي سيظل مرهونا بتوازنات دقيقة؛ فتركيا التي قد ترحب بتحجيم نفوذ طهران الإقليمي، قد تجد نفسها في مواجهة معضلة أمنية إذا ما أدى الفراغ الأمني إلى تنامي الطموحات القومية الكردية على حدودها. وبذلك، قد يصبح هذا المشروع المختبر الحقيقي لاستبدال إرث تصدير الثورة بنماذج إدارة ذاتية مستقرة، تضمن تحويل المنطقة من مصدر للتهديدات العابرة للقارات إلى ركيزة لاستقرار النظام الدولي الجديد تمنع تحول المنطقة الى ثقب اسود يبتلع الامن العالمي.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا