الخطاب السياسي بين اليد الممدودة ومبدأ "لا غالب ولا مغلوب": نحو لغة جديدة تصنع الثقة

الخطاب السياسي بين اليد الممدودة ومبدأ
بقلم: ذ - المصطفى شقرون 11 ديسمبر 2025

حين ترتفع حرارة السياسة، وتتعالى الأصوات، يصبح الوطن هو الخاسر الأول. لذلك جاءت حكمة الدولة ورصانة الخطاب لتعلن مبدأً جامعًا: لا غالب ولا مغلوب، وتمدّ اليد للجميع باعتبار أن الوطن يسع الجميع.

لكن… هل يكفي أن نرفع الشعار دون أن نغيّر لغة الخطاب؟

هل تكفي اليد الممدودة إذا ظلّت الكلمات حادّة، والمفردات مُستفزّة، والجمل مشبعة بروح الصراع؟

إن التحوّل الحقيقي يبدأ من الكلمة، لأنها أول جسر نحو القبول، وأول خطوة نحو إطفاء نار التوتر.

كيف يمكن للخطاب السياسي المغربي أن ينتقل من لغة الصراع إلى لغة التماسك، انسجامًا مع شعار “اليد الممدودة” ومبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، دون التفريط في قوة الموقف ولا في وضوح الرسالة؟

منذ عقود، ظلّ الخطاب السياسي في العالم العربي والمغاربي يتراوح بين الوعيد والتحدّي، وبين الرفض الحادّ والقبول المتحفّظ. لغة مشحونة تُبنى على التصعيد بدل التهدئة، وعلى الصدام بدل الحوار.

غير أن المرحلة الحالية، بما تحمله من رهانات داخلية وخارجية، تفرض بناء بلاغ سياسي جديد، يتأسس على ثلاث ركائز:

1 - لغة لينة… بلا ضعف

اللين السياسي ليس تنازلاً، بل هو فن بناء الجسور. فالكلمة قد تُقنع أكثر مما تُجبر، وقد تُقرّب أكثر مما تُبعد.

وحين تكون اليد ممدودة، ينبغي أن تكون الجملة ممدودة أيضًا… جملة تُطمئن، لا تُخيف؛ وتوجّه، لا تُقصي.

2 - مفردات تصنع القبول

المفردة ليست صوت فقط… إنها موقف كامل.

فحين نقول: "شركاؤنا السياسيون" بدل "خصومنا"، يتغيّر الجو العام. وحين نقول: “نختلف في التصور لكن نتفق في الوطن”، نفتح بابًا للاتحاد بدل الانقسام. وحين نُكرّر مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، فإننا نعلن أن السياسة ليست معركة كسر عظام، بل تنافسًا شريفًا لخدمة الوطن.

 3 - يليق بالدولة وبتاريخها

الدولة القوية لا تحتاج إلى خطاب صدامي؛ يكفيها وضوح رؤيتها وثبات مؤسساتها. والسياسة اليوم لم تعد تُربح بالصوت العالي، بل بالحجة الهادئة والمفردة الحكيمة.

الخطاب السياسي اللين لا يعني التراجع، بل رفع مستوى الفعل السياسي ليكون أكثر نضجًا، أكثر وطنية، وأكثر انفتاحًا على الآخر.

4 - المواطن… هو المتلقي الأول

حين يسمع المواطن خطابًا مبنيًا على التهدئة، يشعر بالأمان. وعندما يسمع خطابًا مبنيًا على "لا غالب ولا مغلوب"، يدرك أن مؤسسات بلده اختارت طريق الحكمة. فالتوتر السياسي ينعكس على الشارع، والهدوء السياسي ينعكس على الاستقرار.

إن بناء خطاب سياسي جديد ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة وطنية. فاليد الممدودة يجب أن ترافقها كلمة ممدودة، ولغة ممدودة، وسلوك سياسي ممدود نحو التفاهم.

وفي ظل شعار "لا غالب ولا مغلوب" يصبح الأفق واضحًا: وطن يجمع أبناءه، وخطاب يصون كرامتهم، ولغة سياسية تليق بمستقبله.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا