مسرحية "نهاية موظف بسيط أو طيحة التيدومة" إبداع فني جديد لفرقة أدوار للمسرح الحر بكلميم
تواصل فرقة أدوار للمسرح الحر بكلميم مسيرتها الفنية بالتدريب على ابداع جديد تحت عنوان "نهاية موظف بسيط أو طيحة التيدومة" وذلك استعدادا للموسم الفني القادم.
مسرحية "نهاية موظف بسيط أو طيحة التيدومة " عن راية " موظف عادي جدا للكاتب الإيطالي فنيتشينزو تشرامي، ترجمها الى العربية وسيم دهمش، واعدها واخرجها على الركح الفنان الواد نوني عبد اللطيف الصافي، وتضم خمس شخصيات: الحيرش / الاب: موظف في القطاع العام مشرف على التقاعد، منينة / الام خمسينية ربة بيت، الغالي/ الابن شاب عشريني حاصل على شهادة محاسب والخنشاوي، خمسيني رئيس الحيرش في العمل.
تندرج مسرحية "نهاية موظف بسيط أو طيحة التيدومة " ضمن الأعمال التي تتخذ من الواقع الاجتماعي مادة خاماً، لكنها لا تكتفي بعكسه، بل تعمل على تفكيك آلياته الداخلية، خاصة تلك المرتبطة بالفساد الإداري وتداعياته على البنية الأسرية. ومن خلال شبكة شخصيات محدودة، تنجح المسرحية في بناء عالم درامي مكثف، تتقاطع فيه المأساة الفردية مع الاختلال الجماعي.
تتمحور الحبكة حول شخصية الحيرش، الموظف الذي أفنى عمره في خدمة الإدارة، ليجد نفسه في نهاية المسار محاصراً بهاجس وحيد: تأمين مستقبل ابنه. هذا الهاجس، الذي يبدو مشروعاً في ظاهره، يتحول تدريجياً إلى مدخل للانزلاق الأخلاقي. فالحيرش لا يسقط دفعة واحدة، بل يتآكل من الداخل تحت ضغط الخوف من التقاعد ومن شبح الفشل الاجتماعي. هنا تكمن قوة البناء الدرامي: في تقديم السقوط كعملية بطيئة، مبررة نفسياً، لكنها مدمرة أخلاقياً.
في مقابل هذا التآكل، تبرز شخصية منينة كصوت أخلاقي صلب. فهي لا تملك سلطة القرار، لكنها تمتلك وضوح الرؤية. خطابها، المستند إلى الحكمة الشعبية، يمنحها مشروعية مضاعفة، ويجعل منها ضميراً يقظاً داخل النص. غير أن هذا الضمير يُهمَّش، بل يُقصى فعلياً، لينتهي في صورة جسد مشلول، في استعارة بليغة لشلل القيم داخل مجتمع يتسامح مع الفساد.
أما الغالي، فيمثل جيل الشباب الذي يمتلك الكفاءة لكنه يصطدم بواقع مختل. صراعه ليس خارجياً فقط، بل داخلي أيضاً: بين الوفاء لمبادئه والاستجابة لضغط الأب. رفضه النهائي للغش يشكل لحظة صفاء أخلاقي، لكنها لحظة مكلفة، إذ تنتهي بموته. هذا الموت لا يمكن قراءته كحدث عرضي، بل كخاتمة رمزية لمصير النزاهة في بيئة لا تكافئها.
في الجهة المقابلة، يقف الخنشاوي بوصفه تجسيداً للسلطة المركبة: إدارية وسياسية في آن. لا يقدم نفسه كفاسد مباشر، بل كوسيط "واقعي" يفهم قواعد اللعبة. يستخدم خطاب القانون حين يخدمه، وخطاب الحزب حين يحتاج إلى الولاء، ما يكشف عن طبيعة الفساد بوصفه منظومة مرنة، قادرة على التلون وإعادة إنتاج ذاتها. خطورته لا تكمن في شره، بل في قدرته على إقناع الآخرين بأن ما يفعله هو الخيار الوحيد الممكن.
تتأسس العلاقات بين هذه الشخصيات على توترات متعددة: صراع الأجيال بين الحيرش وابنه، صراع القيم بين الزوجين، وصراع السلطة بين الحيرش والخنشاوي. هذه التوترات لا تُحل، بل تنفجر في نهاية مأساوية تعيد ترتيب مواقع الشخصيات: الأب نادم، الأم مشلولة، الابن ميت، بينما يظل ممثل النظام قائماً. هنا تبلغ المسرحية ذروتها النقدية، إذ تطرح سؤالاً يتجاوز الحكاية: هل الخلل في الأفراد أم في البنية التي تصوغ خياراتهم؟
من الناحية الجمالية، يعتمد النص على واقعية مشبعة بنَفَس رمزي، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى علامات دالة: ورقة الامتحان، الملف الإداري، الكرسي المتحرك… كلها عناصر تشتغل كامتدادات لمعاني أعمق. كما يساهم توظيف اللغة الدارجة في تعزيز صدقية الشخصيات، وربطها ببيئتها الاجتماعية، دون أن يفقد النص بعده التأملي.
تقدم المسرحية رؤية نقدية حادة لمجتمع مأزوم، حيث يتحول السعي المشروع إلى فخ، وتصبح القيم عبئاً، والفساد طريقاً شبه إلزامي. إنها مأساة الإنسان العادي حين يجد نفسه مجبراً على الاختيار بين الكرامة والبقاء، وغالباً ما يخسر الاثنين معاً.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس